فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 586

لنفائس عاصمة الخلافة وكنوزها, ثم مالوا على أهل السنة في بغداد, وفعلوا الأفاعيل والأباطيل, مما تعجز عن وصفه الأقاويل, وأصبح كأن لم يكن لبغداد رونق, وقصور وستور, وحل بأهلها مالم يوصف مثله على مر الدهور, وفي وصف ذلك يقول ابن كثير رحمه الله:"ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقني الوسخ، وكمنوا كذلك أياما لا يظهرون. وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات, ويغلقون عليهم الأبواب, فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة، حتى تجري الميازيب من الدماء ... في الأزقة, فإنا لله وإنا إليه راجعون, وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى, ومن التجأ إليهم, وإلى دار الوزير ... ابن العلقمي الرافضي, وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانا، بذلوا عليه أموالًا جزيلةً ... حتى سلموا وسلمت أموالهم, وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة" [1] .

المطلب الثالث: الحالة العلمية:

على الرغم مما أصاب العالم الإسلامي من ضعف في الحياة السياسية والاجتماعية، في العصر العباسي الأخير إلا أن ذلك لم يؤثر كثيرًا على الحالة العلمية في العراق وبغداد خاصة, بل على خلاف ذلك فقد كثر العلماء وكثرت المدارس والربط, والحركة العلمية المدعومة من قبل الدولة والموسرين, وصنفت الكتب ونسخت, وملئت منها الخزائن، كما أسهمت الترجمة من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية في ازدهار بعض العلوم الطبيعية والرياضية, وغيرها [2] , وتنافس الملوك والسلاطين وذويهم في إكرام العلماء وتنصيبهم

(1) البداية والنهاية (13/ 235) .

(2) ولكن ما يؤسف له هو أن هذه العناية التي كانت في ترجمة بعض هذه العلوم الطبيعية والكلامية ... أنها جرت على الأمة الإسلامية عقائد وفلسفات وعلوما كلامية ومنطقية, وغيرها من العلوم ... التي أضرت وما نفعت في كثير من أمرها مما نتج عنه ظهور بعض القرق المنحرفة, ومن اتخذوا ذلك مدخلًا لبث كفرياتهم ونظرياتهم, التي أفسدت على المسلمين عقائدهم وديانتهم, وخالف منهم ... من خالف بالحيدة عن طريقة نبيهم صوات ربي وسلامه عليه, وسلفهم من الصحابة والتابعين ... لهم بإحسان, وإنا لله وإنا إليه راجعون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت