فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 586

وقال المفسرون في قوله عز وجل: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) } الإنسان: 8.

أنها نزلت في علي وأهل بيته فاطمة وولديهما عليهما السلام, وذلك أن عليًا أجر نفسه يسقي نخلا بشيء من شعير ليلة حتى أصبح، وقبض الشعير وطحن ثلثه، فجعلوا منه شيئا ليأكلوه، يقال له: الخزيرة، فلما تم نضجها، أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام، ثم عمل الثلث الآخر، فلما تم إنضاجه أتى يتيم يسأل فأطعموه، ثم عمل الثلث الباقي، فلما تم إنضاجه جاءه أسير من المشركين يسأل فأطعموه، وطووا، فأنزل الله تعالى هذه الآية فيهم وما بعدها من الآيات في سورة هل أتى" [1] ."

(1) إختلف في سبب نزول هذه الآية, وأورد الاختلاف في سبب نزولها البغوي في تفسيره (5/ 191) , وذكره في شأن علي برقم (2306) وقال محققه"موضوع", وذكره الواحدي في أسباب النزول ... في حق علي - رضي الله عنه - من غير سند معلقًا عن عطاء عن ابن عباس ً - رضي الله عنه - مع اختلاف يسير في لفظه ... عما أورده المصنف دون قوله:"وما بعدها من الآيات في سورة هل أتى", فلم أقف عليه بهذا, ... ولعل المصنف ذكره بالمعنى هنا أو زاد, (1/ 448) , وابن الجوزي في التبصرة (1/ 454) , وذكر الاختلاف في سبب نزولها في زاد المسير له أيضًا بما ذكره الواحدي برقم (1507) , وقال محققه:"موضوع" (4/ 377) , والسمعاني في تفسيره, وقال:"وفي هذه القصة خبط كثير تركنا ذكره", وقال:"فأصح الأقاويل: أن الآية على العموم", (6/ 116) , وأورد القرطبي في الجامع لأحكام القران الاختلاف في سبب نزولها وقال:"والصحيح أنها نزلت في جميع الأبرار، ومن فعل فعلا حسنًا، ... فهي عامة. وقد ذكر النقاش والثعلبي والقشيري وغير واحد من المفسرين في قصة علي وفاطمة وجاريتهما حديثا لا يصح ولا يثبت، رواه ليث عن مجاهد عن ابن عباس", في حديث طويل فيه أشعار وزيادات بغير ما ذكره المصنف هنا (19/ 130) , وأورد السيوطي عن ابن مردويه في الدر (8/ 371) , وأشار ابن كثير في البداية والنهاية أنه لا يصح مما ينسب أنه نزل في علي - رضي الله عنه - ... على الخصوص من القران بقوله:"ولم ينزل في علي شيء من القرآن بخصوصيته، وكل ما يوردونه في قوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) } الرعد: 7. وقوله {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) } الإنسان: 8. وقوله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} التوبة: 19. وغير ذلك من الآيات والأحاديث الواردة في أنها نزلت في علي لا يصح ... شيء منها" (11/ 94) , وأورد شيخ الإسلام ابن تيمية في المنهاج في عدم ثبوت ما قيل أنه نزل ... في علي - رضي الله عنه: في"البرهان الحادي والعشرون, سورة {هَلْ أَتَى} الإنسان: 1 , والجواب عليه", ونقض ذلك من ثلاثة عشر وجهًا أذكرها هنا مختصرة:

أحدها: المطالبة بصحة النقل، فمجرد رواية الثعلبي والواحدي وأمثالهما لا تدل على أنه صحيح باتفاق أهل السنة والشيعة. ولو تنازع اثنان في مسألة من مسائل الأحكام والفضائل، واحتج أحدهما بحديث ... لم يذكر ما يدل على صحته، إلا رواية الواحد من هؤلاء له في تفسيره، لم يكن ذلك دليلا ... على صحته ولا حجة على منازعه باتفاق العلماء.

وهؤلاء من عادتهم يروون ما رواه غيرهم، وكثير من ذلك لا يعرفون هل هو صحيح أم ضعيف.

الثاني: أن هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، الذي هم أئمة هذا الشأن وحكامه. وقول هؤلاء هو المنقول في هذا الباب، ولهذا لم يرو هذا الحديث في شيء من الكتب ... التي يرجع إليها في النقل، لا في الصحاح، ولا في المساند، ولا في الجوامع، ولا السنن، ولا رواه المصنفون في الفضائل، وإن كانوا قد يتسامحون في رواية أحاديث ضعيفة، كالنسائي فإنه صنف خصائص علي، وذكر فيها عدة أحاديث ضعيفة، ولم يرو هذا وأمثاله.

وكذلك أبو نعيم في"الخصائص"، وخيثمة بن سليمان، والترمذي في"جامعه"روى أحاديث كثيرة في فضائل علي، كثير منها ضعيف، ولم يرو مثل هذا لظهور كذبه.

وأصحاب السير، كابن إسحاق وغيره، يذكرون من فضائله أشياء ضعيفة، ولم يذكروا مثل هذا، ولا رووا ما قلنا فيه: إنه موضوع باتفاق أهل النقل، من أئمة أهل التفسير، الذين ينقلونها بالأسانيد المعروفة، كتفسير ابن جريج، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وغيرهم من العلماء الأكابر، الذين لهم في الإسلام لسان صدق، وتفاسيرهم متضمنة للمنقولات التي يعتمد عليها في التفسير.

الوجه الثالث: أن الدلائل على كذب هذا كثيرة. منها: أن عليا إنما تزوج فاطمة بالمدينة، ولم يدخل ... بها إلا بعد غزوة بدر، كما ثبت ذلك في الصحيح. والحسن والحسين ولدا بعد ذلك، سنة ثلاث ... أو أربع، والناس متفقون على أن عليا لم يتزوج فاطمة إلا بالمدينة ولم يولد له ولد إلا بالمدينة. ... وهذا من العلم العام المتواتر، الذي يعرفه كل من عنده طرف من العلم بمثل هذه الأمور.

وسورة {هَلْ أَتَى} الإنسان: 1, مكية باتفاق أهل التفسير والنقل، لم يقل أحد منهم: إنها مدنية. ... وهي على طريقة السور المكية في تقرير أصول الدين المشتركة بين الأنبياء، كالإيمان بالله واليوم الآخر وذكر الخلق والبعث. ولهذا قيل: إنه كان النبي - صلى الله عليه وسلم - , يقرؤها مع: {الم (1) تَنْزِيلُ} السجدة: 1 - 2, في فجر يوم الجمعة; لأن فيه خلق آدم، وفيه دخل الجنة، وفيه تقوم الساعة.

وهاتان السورتان متضمنتان لابتداء خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان إلى أن يدخل فريق الجنة وفريق النار. وإذا كانت السورة نزلت بمكة قبل أن يتزوج علي بفاطمة، تبين أن نقل أنها نزلت بعد مرض الحسن والحسين من الكذب والمين.

الوجه الرابع: أن سياق هذا الحديث وألفاظه من وضع جهال الكذابين. فمنه قوله:"فعادهما جدهما وعامة العرب"فإن عامة العرب لم يكونوا بالمدينة، والعرب الكفار ما كانوا يأتونهما يعودونهما.

ومنه قوله:"فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذرت على ولديك". وعلي لا يأخذ الدين من أولئك العرب، ... بل يأخذه من النبي - صلى الله عليه وسلم - , فإن كان هذا أمرًا بطاعة فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - , أحق أن يأمره به من أولئك العرب، وإن لم يكن طاعة لم يكن علي يفعل ما يأمرون به. ثم كيف يقبل منهم ذلك من غير مراجعة إلى النبي في ذلك؟!

الوجه الخامس: أن في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه"نهى عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل"البخاري برقم (6608) . . وإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن النذر ويقول: ..."إنه لا يأتي بخير"فإن كان علي وفاطمة وسائر أهلهما لم يعلموا مثل هذا، وعلمه عموم الأمة، فهذا قدح في علمهم، فأين المدعي للعصمة؟

وإن كانوا علموا ذلك، وفعلوا ما لا طاعة فيه لله ولرسوله، ولا فائدة لهما فيه، بل قد نهيا عنه: إما نهي تحريم، وإما نهي تنزيه - كان هذا قدحا إما في دينهم وإما في عقلهم وعلمهم.

فهذا الذي يروي مثل هذا في فضائلهم جاهل، يقدح فيهم من حيث يمدحهم، ويخفضهم من حيث يرفعهم، ويذمهم من حيث يحمدهم.

الوجه السادس: أن عليا وفاطمة لم يكن لهما جارية اسمها فضة، بل ولا لأحد من أقارب النبي - صلى الله عليه وسلم - , ... ولا نعرف أنه كان بالمدينة جارية اسمها فضة، ولا ذكر ذلك أحد من أهل العلم، الذين ذكروا أحوالهم: دقها وجلها. ولكن فضة هذه بمنزلة ابن عقب الذي يقال: إنه كان معلم الحسن والحسين، وقد أجمع أهل العلم على أنهما لم يكن لهما معلم، ولم يكن في الصحابة أحد يقال له: ابن عقب.

وهكذا هذه الجارية فضة. وقد ثبت في الصحيحين عن علي"أن فاطمة سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - خادما، فعلمها ... أن تسبح عند المنام ثلاثا وثلاثين، وتكبر ثلاثا وثلاثين وتحمد أربعا وثلاثين". وقال:"هذا خير ... لك من خادم"وهذا خبر صحيح باتفاق أهل العلم، وهو يقتضي أنه لم يعطها خادما. ... فإن كان بعد ذلك حصل خادم فهو ممكن، لكن لم يكن اسم خادمها فضة بلا ريب.

الوجه السابع: أنه قد ثبت في الصحيح عن بعض الأنصار أنه آثر ضيفه بعشائهم، ونوم الصبية، وبات ... هو وامرأته طاويين. فأنزل الله سبحانه وتعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} الحشر: 9, البخاري برقم (3798) , ومسلم برقم (2054) .

وهذا المدح أعظم من المدح بقوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا} الإنسان: 8، فإن هذا كقوله: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ} البقرة: 177.

الثامن: أن في هذه القصة ما لا ينبغي نسبته إلى علي وفاطمة - رضي الله عنهما - ; فإنه خلاف المأمور ... به المشروع، وهو إبقاء الأطفال ثلاثة أيام جياعا، ووصالهم ثلاثة أيام. ومثل هذا الجوع قد يفسد العقل والبدن والدين.

وليس هذا مثل قصة الأنصاري ; فإن ذلك بيتهم ليلة واحدة بلا عشاء، وهذا قد يحتمله الصبيان، بخلاف ثلاثة أيام بلياليها.

التاسع: أن في هذه القصة أن اليتيم قال:"استشهد والدي يوم العقبة"وهذا من الكذب الظاهر، فإن ليلة العقبة لم يكن فيها قتال، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - بايع الأنصار ليلة العقبة قبل الهجرة، وقبل أن يؤمر بالقتال.

وهذا يدل على أن الحديث، مع أنه كذب، فهو من كذب أجهل الناس بأحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو قال:"استشهد والدي يوم أحد"لكان أقرب.

العاشر: أن يقال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكفي أولاد من قتل معه. ولهذا قال لفاطمة لما سألته خادما:"لا أدع يتامى بدر وأعطيك".

فقول القائل: إنه كان من يتامى المجاهدين الشهداء من لا يكفيه النبي - صلى الله عليه وسلم - , كذب عليه وقدح فيه.

الحادي عشر: أنه لم يكن في المدينة قط أسير يسأل الناس، بل كان المسلمون يقومون بالأسير ... الذي يستأسرونه. فدعوى المدعي أن أسراهم كانوا محتاجين إلى مسألة الناس كذب عليهم وقدح فيهم. والأسراء الكثيرون إنما كانوا يوم بدر، قبل أن يتزوج علي بفاطمة - رضي الله عنها - وبعد ذلك فالأسرى في غاية القلة.

الثاني عشر: أنه لو كانت هذه القصة صحيحة، وهي من الفضائل، لم تستلزم أن يكون صاحبها أفضل الناس، ولا أن يكون هو الإمام دون غيره. فقد كان جعفر أكثر إطعاما للمساكين من غيره، حتى قال له النبي - صلى الله عليه وسلم:"أشبهت خلقي وخلقي", البخاري برقم (2699) ، وكان أبو هريرة يقول: ما احتذى النعال بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد أفضل من جعفر، يعني في الإحسان إلى المساكين، إلى غير ذلك من الفضائل. فلم يكن بذلك أفضل من علي ولا غيره، فضلا عن أن يكون مستحقا للإمامة.

الثالث عشر: أنه من المعلوم أن إنفاق الصديق أمواله أعظم وأحب إلى الله ورسوله، فإن إطعام الجائع ... من جنس الصدقة المطلقة، التي يمكن كل واحد فعلها إلى يوم القيامة، بل وكل أمة يطعمون جياعهم من المسلمين وغيرهم، وإن كانوا لا يتقربون إلى الله بذلك، بخلاف المؤمنين، فإنهم يفعلون ذلك لوجه الله، بهذا تميزوا. كما قال تعالى عنهم: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) } الإنسان: 9.

وأما إنفاق الصديق ونحوه، فإنه كان في أول الإسلام، لتخليص من آمن، والكفار يؤذونه أو يريدون قتله وإنفاقه على المحتاجين من أهل الإيمان وفي نصر الإسلام، حيث كان أهل الأرض قاطبة أعداء الإسلام. وتلك النفقة ما بقي يمكن مثلها وهذا في النفقة التي اختصوا بها، وأما جنس إطعام الجائع مطلقا، فهذا مشترك يمكن فعله إلى يوم القيامة", (7/ 174 - 187) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت