وأقبل علي - رضي الله عنه - مسرعًا باكيًا مسترجعًا, وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة, ... حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر - رضي الله عنه - , فقال: رحمك الله يا أبا بكر, لقد كنت أول القوم إسلامًا, وأخلصهم / إيمانًا. وأشدهم يقينًا, وأخوفهم لله عز وجل, وأحوطهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وأحدبهم على الإسلام, وأئمنهم على أصحابه, وأحسنهم صحبةً, وأفضلهم مناقب [1] , وأكثرهم سوابق, وأرفعهم درجةً, وأقربهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وأشبههم به هديًا, وخلقًا, وسمتًا, وفعلًا, وأشرفهم منزلةً, وأكرمهم عليه, وأوثقهم عنده, فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله خيرًا, صدقت رسول الله حين كذبوه الناس, فسماك الله في كتابه صديقًا, فقال: عز من قائل {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} الزمر: 33, فالذي جاء بالصدق هو محمد - صلى الله عليه وسلم - وصدق به أبو بكر, آسيته حين بخلوا, وقمت معه حين قعدوا, وصحبته في الشدة أكرم صحبة, {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} التوبة: 40, وصاحبه المنزل عليه السكينة, ورفيقة في الهجرة ومواطن الكره, ثم خلفته في أمته أحسن الخلافة حين ارتد الناس, وقمت بدين الله قيامًا لم يقم ... به خليفة نبيٍ قبلك قط, فقويت حين ضعف أصحابك, وبادرت حين استكانوا, ونهضت حين وهنوا, ولزمت منهاج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ هم أصحابه, وكنت الخليفة حقًا لم تنازع, ولم تصارع, برغم المنافقين, وصغر الفاسقين, وغيظ الكافرين, وكره الحاسدين, فقمت بالأمر حين فشلوا, ونطقت حين تتعتعوا, ومضيت بنور الله إذ وقفوا, فاتبعوك فهُدوا, إذ كنت أخفضهم صوتًا, وأعلاهم فوقًا, وأقلهم كلامًا, وأصوبهم منطقًا, وأطولهم صمتًا, وأبلغهم قولًا, كنت أكثرهم رأيًا, وأشجعهم قلبًا, وأشدهم نفسًا, وأحسنهم
(1) المناقب: الصفات، وأكثر ما تستعمل في الفضائل وما يحمد من الفعال والمَنْقَبة كَرَمُ الفِعْل يقال: ... إنه لكريمُ المَناقِبِ, ينظر: لسان العرب لابن منظور (1/ 765) .