المعين، فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا عن علم. لأن حقيقة باطنه وما مات عليه لا نحيط به لكن نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء" [1] ."
ثم كانت خلافة الظاهر بأمر الله في سنة (622 هـ) , يقول عنه ابن الأثير:"وكان نعم الخليفة، جمع الخشوع مع الخضوع لربه، والعدل والإحسان إلى رعيته ... ، ولم يزل كل يوم يزداد من الخير والإحسان إلى الرعية، فرضي الله عنه وأرضاه، وأحسن منقلبه ومثواه، فلقد جدد من العدل ما كان دارسا، وأذكر من الإحسان ما كان منسيا [2] ."
ويقول أيضا:"ولم أزل - علم الله سبحانه - مذ ولي الخلافة، أخاف عليه قصر المدة, لخبث الزمان وفساد أهله، وأقول لكثير من أصدقائنا: وما أخوفني أن تقصر مدة خلافته; لأن زماننا وأهله لا يستحقون خلافته، فكان كذلك" [3] .
ثم جاءت خلافة المستنصر باللَّه [4] في سنة (623 هـ) , يقول ابن الطقطقي ... عنه وعن هذه الفترة في خلافته:"كان المستنصر شهما جوادا يباري الرّيح كرما وجودا،"
(1) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (2/ 537) .
(2) الكامل لابن الأثير بإختصار (10/ 413) .
(3) المصدر السابق (10/ 414) .
(4) منصور بن محمد بن أحمد، الإمام المستنصر بالله ابن الإمام الظاهر ابن الإمام الناصر؛ ولد في ثالث عشر صفر سنة (588 هـ) ، وبويع عند موت والده يوم الجمعة، ثالث عشر رجب، سنة ثلاث وعشرين وست مائة البيعة الخاصة من إخوته وبني عمه وأسرته، وبايعه من الغد الكبراء والعلماء والأمراء, واقف المستنصرية التي لا نظير لها. وأمه تركية، وكان أبيض أشقر، سمينا، ربعة، مليح الصورة، عاقلًا حازما سائسا، ذا رأي ودهاء ونهوض بأعباء الملك، وكان جده الناصر يحبه ويسميه القاضي لحبه للحق وعقله وهديه وإنكاره المنكر. ولما استقر الإمام المستنصر نشر العدل وبث المعروف وزاد أبواب الخيرات، وقرب أهل العلم والزهاد والصالحين، وبنى المدارس والمساجد والربط والمشاهد ودور الضيافة والبيمارستانات، وكف الفتن واعتنى بطرق الحاج وإصلاح آبارها، وبنى بالمدينة ومكة دورًا للمرضى وأرسل إليها ما تحتاج من العقاقير والمركبات من الأدوية؛ وجمع العساكر وقام بأمر الجهاد، وأذعنت لطاعته ملوك الأرض، وبيعت كتب العلم في أيامه بأغلى الأثمان لميله إلى اقتنائها ورغبته ... في تحصيلها وإكبابه على مطالعتها ووقفها على أهل الفضل. وصنف الفضلاء في دولته بدائع المصنفات في فنون العلم تقربوا باهدائها إليه, وكان عاش إحدى وخمسين سنة وأشهرا, وبويع ... بعد وفاته لولده المستعصم سنة (640 هـ) , انظر ترجمته في: فوات الوفيات (4/ 169) , والسير (23/ 156) .