يستقيم لنا اذا قال الرجل: كيف زيد؟ نقول: صالح، إذا قال أين هو؟ أن تقول: في الدار. وان لا يصح حتى تقول: انه صالح وانه في الدار. وذلك ما لا يقوله أحد) [1] .
فالسائل هنا خالي الذهن ويطلب الإجابة عن سؤاله ولذلك يكون الجواب بتعيين المسؤول عنه أي ان الاستفهام هنا استفهام تصور، فالسائل إذن ليس له ظن يخالف الجواب أو انه ليس منكرا حتى يؤكد الجواب له بـ (إن) . وعليه فان الإتيان بالمؤكد في هذه الحالة ليس من البلاغة في شيء إذ يصبح التعبير هنا تعبيرا خاطئًا ولا يقول به احد ممن لديه اطلاع على أصول كلام العرب.
ويبدو مما تقدم ان عبد القاهر الجرجاني بعقليته الفذة قد قام بعملية استقراء لأسلوب التعبير العربي حتى خرج بهذه النتائج الدقيقة التي أهملها غيره، وبسبب من ذلك وجدنا ان البلاغيين ممن بحثوا موضوع (إنَّ) بعده لم ياتوا بجديد، بل تلقوا كلامه بالشرح والاختصار [2] .
لقد تعامل القرآن الكريم مع (إنّ) تعاملًا لافتًا للنظر على نحو لا يمكن تجاوزه او تجاهله، بل يمكننا القول إنها تستحق بحثًا مستقلًا قائمًا بذاته من اجل الوقوف على دقة استعمالها وأساليب ذلك الاستعمال.
لقد وردت (إن) في القرآن الكريم بكثرة وخاصة حينما ترد في مقدمة الكلام المستأنف، ومن ذلك مجيئها مصحوبة بـ (لام التوكيد) كما في قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [3] .
وقوله جل شأنه: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ* وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا
(1) دلائل الإعجاز: 312.
(2) ينظر على سبيل المثال: نهاية الإيجاز: 178 - 182. والتبيان في علم البيان: 61 - 64، وأصول البلاغة: للامام العلامة. كمال الدين ميثم البحراني، 111 - 113.
(3) الجاثية: (12 - 13) .