الصفحة 75 من 173

المبحث الأول

الجواب عن سبب الحكم مطلقًا

لمّا كانت اللغة وسيلة التخاطب بين البشر فلابد من ان تركن إلى ثوابت معينة لا يمكن الاستغناء عنها فتكوّن بذلك القواعد الأساسية لأية لغة من لغات البشر المختلفة، ومن بين هذه الثوابت التي لا سبيل إلى إنكارها أن المتحدث حينما يخاطب فردًا أو جماعة يضع في ذهنه ضرورة إيصال أفكار معينة، وقد تتفاوت هذه الأفكار بين البساطة والتعقيد، ولما كان على المتحدث أن يراعي مستوى السامعين وأقدارهم فانه يدرك بحسه الإنساني الذي فطره الله عليه أن المخاطب بحاجة إلى المزيد من الإيضاح في مواضع معينة من خطابه؛ أي كأنه يسمع السؤال إيحاءً فيقدر هذا السؤال الذي في ذهن المخاطب في أثناء كلامه، ومن ثم يجيب عليه الإجابة المناسبة، وهو بذلك يطبق ـ من غير شعور ـ تعريف بلاغة الكلام الذي استقر عليه أخيرًا وهو (مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته) [1] .

ولما كان القرآن الكريم قد نزل بلغة العرب وكان الخطاب فيه موجهًا إلى بني البشر فقد كان لابد من أن يضم بين دفتيه كمية كبيرة من الاستئناف البياني خاصة انه قد تعرض لأشد الموضوعات أهمية، كإثبات وجود الباري عز وجل والإيمان باليوم الآخر، وما فيه من حساب وعقاب وثواب وغير ذلك من الموضوعات التي جاءت في هذا الكتاب المقدس.

لقد تفنن القرآن الكريم في استخدامه الاستئناف البياني فجاء به بصور مختلفة تخدم الغرض الذي جاءت من اجله. فقد جاءت الإجابة عن السبب المطلق مفتتحة بالفعل الماضي متبوعًا بالفاعل وهو الله تبارك وتعالى، كما في قوله تقدست أسماؤه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [2] .

(1) التلخيص: 33.

(2) البقرة: (6 - 7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت