فالآية الثانية هنا (جارية مجرى التعليل للحكم السابق في قوله تعالى(( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) )وبيان لسببه في الواقع ليدفع بذلك تعجب المتعجبين من استواء الإنذار وعدمه عندهم ومن عدم نفوذ الإيمان إلى نفوسهم مع وضوح الدلالة) [1] .
وقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ... ) [2] .
وقوله تعالى (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [3] . والاستئناف البياني جاء جوابًا عن (سؤال ينشأ عن الإخبار بـ(أولئك لهم الخيرات) [4] .
لقد عبرت هذه الآيات التي كان الفاعل فيها ربَّ العزة سبحانه وتعالى عن أمور عظيمة لا يقوم بها إلا هو تعالى فهي أما تقرر حقيقة نفسية خطيرة يكشفها الله تعالى وتكون هي السبب في عدم إيمانهم، أو انه يقرر حكما شرعيا أو يكون ذلك وعدًا لعباده الصالحين بحسن العاقبة.
وربما لا يأتي الفاعل ظاهرًا بعد الفعل الماضي بل يأتي ضميرًا متصلًا كما في قوله تعالى: ( ... فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [5] .
أو كقوله تعالى: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [6] .
(1) التحرير والتنوير، 1: 254.
(2) البقرة: (187) .
(3) التوبة: (88 - 89) .
(4) التحرير والتنوير، 10: 291.
(5) القصص: (25) .
(6) يوسف: (30) .