وكذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [1] فأن وصف أولئك بانهم أصحاب الجنة وانهم خالدون فيها مما يحرك المخاطب إلى أن يسأل ما السبب الذي جعل هؤلاء بهذه المنزلة؟ والجواب: ان خلود هؤلاء المؤمنين كان جزاء لهم على أعمالهم الصالحة في الحياة الدنيا. و (جزاء) أيضا مفعول لأجله. ومما يلاحظ على الآيتين الأخيرتين انهما كانتا في شأن المؤمنين أما الآيات السابقة لهما فقد كانت خطابًا للكفار، لذلك فان الباري يسوق السبب (مفعولا لأجله) حتى تتضح نعمته التي يخص بها المؤمنين، كما يلاحظ على هاتين الآيتين ان فيهما استئنافين في كل آية منهما.
وتجدر الإشارة إلى ان السؤال المقدر في (سبب الحكم المطلق) يقدر بـ (ما) التي هي لطلب التصور دائما، [2] ، ولذلك تأتي الإجابة عن هذا السؤال المقدر بالتعيين.
اما قوله جلت قدرته: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) [3] .
فقوله (صنع الله) (من المصادر المؤكدة كقوله ـ وعد الله ـ و ـ صبغة الله ـ إلا أن مؤكده محذوف) [4] . إذ إن الفصل لفقدان التغاير نوعان أولهما: أن ينزل منزلة التوكيد المعنوي، [5] وهذا مما جاء في هذه الآية المباركة فهو قد (نصب على المصدر لانه تعالى لما قال:(وهي تمر مر السحاب) دل على انه تعالى صنع ذلك فعمل في صنع الله). [6]
(1) الأحقاف: (13 - 14) .
(2) ينظر: شروح التلخيص/ عروس الأفراح، 59:3 - 60.
(3) النمل: (88) .
(4) الكشاف، 162:3.
(5) ينظر: التبيان في البيان، للطيبي: 106.
(6) مشكل إعراب القرآن، 540:2.