الولد ـ أي انه قد جاء بعد حصول الطلب والباري ـ عز وجل ـ إنْ أعطى في هذا الحال فبكرم منه، وإنْ منَعَ فذلك لمصلحة قد خفيت عن عباده. اما مع مريم - عليها السلام - فان الحال يختلف حيث إن تلك الولادة ـ المعجزة ـ لم تكن بطلب منها، وانما كانت بأمر من الله تبارك وتعالى. أي كأنَّ تلك الولادة لا تختلف في شي من غيرها اذا ما قيست بقدرة الباري جلت قدرته مع انها لم تكن ناتجة عن اجتماع رجل وامرأة. ولعل مما يؤيد هذا الكلام قوله تعالى على لسان مريم (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا* قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) [1] .
كما استفهم بـ (أنى) عن أمر معجز آخر وذلك في قوله جلت قدرته: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [2] وينصب الاستفهام في هذه الآية عن الجهة التي يأتي منها هذا الرزق أي (من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آتٍ في غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل إليك) [3] . فالسائل منكر ومتعجب لوقوع هذا الأمر ولذلك استفهم بـ (أنّى) وقد جاء الجواب بتعيين الجهة التي جاء منها ذلك الرزق (قالت هو من عند الله) وقد قيل عنها (عليها السلام) انها (تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد) [4] .
وتبقى لدينا آية واحدة ربما شكلت أسلوبًا قائمًا بذاته وهي قوله جل وعلا:
(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [5] .
(1) مريم: (20 - 21)
(2) آل عمران: (37) .
(3) الكشاف، 1: 427.
(4) م. ن، 1: 427.
(5) البقرة: (259) .