وكثيرًا ما كانت (أنى) تأتي لأغراض بلاغية معينة، ولا يأتي جواب عنها ن وكان هذه سمة اجتمعت عليها أدوات الاستفهام في القرآن الكريم. وتجدر الإشارة إلى انه كان هنالك توازن نسبي من حيث عدد الاستفهام والجواب في الأدوات السابقة الا ان هذا التوازن يختل اختلالًا كبيرًا ابتداءً من (أنّى) بحيث يرد الاستفهام عدة مرات ولا يذكر له جواب.
أما الأسلوب الغالب على (أنى) فهو التعجب الشديد واستبعاد وقوع فعل لم يقع بعد واكثر ما كان ذلك يقع في ولادات الأنبياء قد ولدوا عن طريق الإعجاز كما في قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [1] . وقوله تعالى: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [2] . وقوله تعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا* قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) [3] . وكانت الآيتان الأولى والثالثة تتعلقان بولادة يحيى ابن زكريا عليهما السلام، أما الثانية فكانت عن ولادة المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، وقد افتتح الجواب بـ (كذلك) في هذه الآيات لانه كان جوابًا عن أمر واحد يدعو إلى العجب وهو الولادة بطريق معجز (أي يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل وهو خلق الولد) [4] وقد جاءت الكاف في (كذلك) (في موقع نصب على تقدير: يفعل الله ما يشاء وفعلًا مثل ذلك) [5] .
ومع أن الجواب عن أمر متشابه، فقد اختلفت تكملة الجواب بعد قوله (كذلك) فكانت مع زكريا - عليه السلام - (قال كذلك الله يفعل ما يشاء) . اما مع مريم ـ عليها السلام ـ (كذلك الله يخلق ما يشاء) ولعل السبب في قوله (يفعل) في الآية الأولى ان هذا الفعل المعجز قد وقع بعد ان دعا زكريا ـ عليه السلام ربَّهُ بان يهبه
(1) آل عمران: (40) .
(2) آل عمران: (47) .
(3) مريم: (8 - 9) .
(4) الكشاف، 1: 428.
(5) مشكل أعراب القرآن، 1: 159.