الاستفهام هنا للتوبيخ والتحسير [1] ، وقد ذكر هؤلاء المجرمون أربعة أسباب أَدَّتْ بهم إلى نار جهنم (وفي الأفعال المضارعة في قوله(لم نك، ونخوض، ونكذب) إيذان بان ذلك ديدنهم ومتجدد منهم طول حياتهم) [2] .
ومن الواضح أن الإطناب يسير جنبًا إلى جنب عند الإجابة عن (ما) الاستفهامية، كما هو الحال في الآيات التي سبقت هاتين الآيتين فالجواب يأتي على نحوٍ مفصل وليس موجزًا ولعل الإطناب والتفصيل أَلْيَقُ ما يكونُ في مقام الحسرة والندم على ما فات هؤلاء المجرمين من نعيم الجنة بسبب ما ارتكبت أيديهم.
ومن أساليب الإجابة عن (ما) الإجابة بالاسم كما في قوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [3] .
فالنَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلم مأمورٌ بهذا الجواب من ربِّ العزَّةِ إِذْ (إن الجهات كلها لله مُلكًا وَمَلِكا فلا يستحق شي منها لذاته ان يكون قبلةً، بل انما تصير قبلةً لان الله تعالى جعلها قبلة) [4] ، والاستفهام لم يقع بعد، بل انه سيقع في المستقبل القريب بدليل وجود السين التي تفيد الاستقبال في قوله تعالى (سيقول السفهاء) وما ذلك الاّ لأنَّ (الجواب العتيد قبل الحاجة إليه اقطع للخصم وارد لشغبه) [5] .
وعلى هذه الشاكلة جاءت أسئلة فرعون لموسى عليه السلام التي استخدمت فيها (ما) أداةً للسؤال وكان الجواب بالاسم كما في قوله تعالى:(قَالَ فَمَا بَالُ القرون
الْأُولَى* قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) [6] .
(1) ينظر: الكشاف، 4: 655.
(2) التحرير والتنوير، 29:326.
(3) البقرة: (142) .
(4) التفسير الكبير، 4: 104.
(5) الكشاف، 1: 317.
(6) طه: (51 - 52) .