الصفحة 44 من 173

لطلب التصور، أو تعيين المفرد، أي أن السائل كان خالي الذهن إذ إن موسى عليه السلام قد (سألهما عن سبب الذياد فقالتا: السبب في ذلك انا امرأتان ضعيفتان مستروتان لا نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم فلابد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا، وما لنا رجل يقوم بذلك وأبونا شيخ قد أضعفه الكبر فلا يصلح للقيام به، ابلتا اليه عذرهما في توليهما السقي بانفسهما) [1] .

إذن فقد تركز الجواب على كشف السبب الذي دعاهما إلى ممارسة هذا العمل. ومما يلاحظ على استعمال (ما) هنا والإجابة عنها بالفعل المضارع أن الاستفهام كان صادرا عن الله تعالى وعن أنبيائه عليهم السلام. ولم تكن الأسئلة محصورة في غرض واحد، بل توزعت على أغراض مختلفة، ومقاصد متعددة. وكانت الأجوبة أجوية تفصيلية وليست مختصرة. ولم يكن هنالك رابط معين يربط المخاطبين أو من وجهت إليهم الأسئلة ففي الآية الأولى كانوا أبناء يعقوب عليه السلام وفي الثانية كان (إبليس) وفي الثالثة ابنتي شعيب عليه السلام ..

اما قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ* لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ* لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ* عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) [2] فابن الحاجب يقول عن أسلوب (ما أدراك) : (مجيء الاستفهام في هذا المجال لتعظيم ذكر القضية) [3] إذن فالاستفهام هنا ليس حقيقيًا وانما خرج لغرض بلاغي يناسب هول ذلك المشهد الذي يصور جهنم، أما الجواب فانه قد جاء مفتتحًا بـ (لا) النافية التي أفاد نفيها الحال والاستقبال لتتناسب مع هذا الجو الذي يرسمه القرآن الكريم. ولا تقف السورة عند هذا الحد في عرض هذا المشهد وانما تكمله باستفهام آخر وبجوابه في قوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ*وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ* حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) [4] .

(1) الكشاف، 171:3.

(2) المدثر: (27 - 30) .

(3) امالي ابن الحاجب: 1: 111.

(4) المدثر: (42 - 47) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت