الصفحة 105 من 173

في هذه الحالة اذن هو استفهام تصديق، إذْ إِنَّ التصديق هو (ان يحكم على ما تصوره بثبوت شي له او انتفاء شي عنه) [1] . وتجدر الاشارة الى ان لَبْسًا يرد هنا وهو ان صاحب التلخيص ومن تبعه في شروح التلخيص يقررون انه من المستحسن الاتيان بالمؤكد مع الطالب المتردد بينما يشترط عبد القاهر الجرجاني الاتيان بالمؤكد لان للمخاطب ظنا في المسؤول عنه على خلاف ما انت تجيبه به [2] . ويدفع هذا اللبسُ اذا علمنا (ان الظن في كلام الشيخ عبد القاهر شرط في التأكيد بأن خاصة لانها كالعلم في التأكيد بخلاف غيرها فلا يشترط في التأكيد به ظن الخلاف وعليه يحمل كلام القوم وحينئذ فلا تنافي وردَّ هذا الجمع بقوله(إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) [3] فانه مؤكد بان مع ان نوحًا لم يكن ظانًا لعدم غرقهم بل مترددًا فالحق انهما طريقتان متقابلتان) [4] .

اما عن السبب في تركيز الكلام على (إن) فقط اداة للتوكيد مع المتردد الطالب فذلك لانها اهم مؤكد يدفع به التردد الذي يحمله المخاطب، وقد جاء الاستخدام القرآني معززًا هذه الحقيقة. لقد احتلت ان حيزًا لافتًا للنظر في البلاغة القرآنية اذْ استخدمت بكثرة ومن ذلك مجيئها متبوعة بلفظ الجلالة وياتي بعده فعل مضارع كما في قوله تبارك وتعالى: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [5] . وجملة (ان الله يجب المتقين) هنا (تعليل للامر بالاستقامة. وموقع أن اولها للاهتمام وهو مؤذن بالتعليل لان(ان) في مثل هذا تغني غناء (فاء) وقد انبأ ذلك التعليل ان الاستقامة لهم من التقوى والا لم تكن مناسبة للاخبار بان الله يحب المتقين عقب الامر بالاستقامة لهم) [6] .

(1) الاقصى الغريب: 3.

(2) ينظر: شروح التلخيص، 1: 205.

(3) هود: (37) ونص الآية هو: (واصنع الفلك باعيننا ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون) .

(4) شروح التلخيص /حاشية الدسوقي، 1: 205.

(5) التوبة: (7) .

(6) التحرير والتنوير، 10: 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت