ولا يتقيد القرآن الكريم بهاتين الصيغتين، بل هنالك صيغ عديدة منها مجيء (إن) متبوعة بلفظ الجلالة وبعده لام التوكيد، كما في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) [1] .
وقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) [2] .
والوقف على قوله (والنهار مبصرا) حسن [3] ، ثم يبدأ الكلام بقوله: ان الله ... لان جملة (ان الله لذو فضل على الناس) في موضع التعليل لما قبلها. اما سبب التنكير في قوله (لذو فضل) فهو (ان يجعل فضلا لا يوازيه فضل وذلك انما يستوي بالاضافة) [4] . وقد تفتتح الجملة بـ (ان) متبوعة بلفظ الجلالة وبعدها اللام مع صفات الغفران والرحمة كما في قوله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [5] . وفي تقديم المغفرة على الرحمة ما لا يخفى من الدقة في التعبير (وهذا التقديم اولى بالطبع، لان المغفرة سلامة، والرحمة غنيمة والسلامة تطلب قبل الغنيمة) [6] .
وقريب من ذلك قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [7] .
(1) البقرة: 243. وينظر: سورة يونس، الآية (60) .
(2) غافر: (61) .
(3) ينظر: إيضاح الوقف والابتداء، 872:2.
(4) الكشاف، 434:3.
(5) النحل: (18) .
(6) صفاء الكلمة: 227.
(7) البقرة: (143) . وينظر: سورة الحج، الآية (60) . وسورة فاطر، الآية (34) .