الصفحة 26 من 68

ابن عطية على الزمحشري، وتفسيره خير شاهد على ذلك، على أنه أغفل التفسير بالمأثور من أقوال الصحابة والتابعين، واكتفى بذكر معنى {الصِّرَاط} وهو"طريق الحق وهي ملة الإسلام".

ومما تجدر الإشارة إليه ها هنا أن ابن عطية يفوق الزمحشري في عنايته بالمأثور، سواء أكان حديثا أم أقوال الصحابة والتابعين، ومرجع ذلك النزعة العقدية لكل منهما، فابن عطية على مذهب أهل السنة والجماعة، بينما الزمحشري من أئمة المعتزلة.

وفي هذا يقول ابن تيمية:"وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة والجماعة وأسلم من البدعة من تفسير الزمحشري" (1) .

ثم إن تفسير ابن عطية"مختصرٌ للتفاسير بالمنقول ملخص لها مع العناية الفائقة في التحقيق والتمحيص والتحري بما هو أقرب للصحة والصواب" (2) .

لذا، نجد الذهبي قد صنفه في المفسرين بالمأثور لغلبة المأثور على تفسيره (3) ، وأما الزمحشري فقليل البضاعة في المأثور من الحديث وغيره، بل له موقف يُسَجّل عليه إزاء الصحيح من الحديث والذي يتعارض مع نزعته الاعتزالية (4) .

والحق أن ابن عطية يتقارب مع الزمحشري في اللغة، وقد يفوقه ابن عطية أحيانا، إذ هما فارسا ميدان وممارسا فصاحة وبيان.

ثم يقول أبو حيان: إلا أن الزمحشري يتقدم على ابن عطية في البلاغة والبيان وإبراز الأسرار البيانية والنكات البلاغية، والتي لم يعن بها ابن عطية، ولعلها صنعة المشارقة كما يقول ابن خلدون:"وبالجملة، فالمشارقة على هذا الفن أقوم من المغربة، وسببه"

(1) ابن تيمية: مقدمة في أصول التفسير 13/ 361.

(2) ابن خلدون: المقدمة 439.

(3) ينظر: التفسير والمفسرون 1/ 238.

(4) ينظر: ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري / كتاب التفسير / باب {وَإِنِّيْ أُعِيْذُهَا ... } 8/ 212.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت