خلائق فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال تترى، فدخل من هنا الدخيل والتبس الصحيح بالعليل ... ثم صنّف بعد ذلك قوم برعوا في علوم، فكان كل واحد منهم يقتصر على الفن الذي يغلب عليه، فالنحوي ... كالزجاج والواحدي في البسيط وأبي حيان في البحر والنهر، والأخباري كالثعلبي، والفقيه .. كالقرطبي .. وصاحب العلوم العقلية خصوصا الإمام فخر الدين الرازي .. والمعتزلي يؤول كلام الله وينزله على مذهبه نصرةً له وتأييدا مثل الزمحشري في كشافه والقاضي عبد الجبار في كتابه"تنزيه القرآن عن المطاعن"وغيرهم، والصوفي يجهد نفسه في استخراج المعاني الإشارية بما يتفق مع طريقته ونزعته مدعيا أن لكل آية ظاهرا وباطنا، مثل أبي عبد الرحمن السُّلَمي في كتابه"حقائق التفسير"، والشيعي يحمل الآيات على أصوله وفروعه وما يشهد لمذهبه وأئمته المعصومين، مثل الطبرسي في كتابه التفسير"مجمع البيان" (1) .
وهكذا نجد استعمال التفسير المقارن، ونرى ملامحه العامة قد لازمت نشأة التفسير وبداياته، وواكب مراحله، متمثلا ذلك في الجانب النظري.
وأما الجانب التطبيقي فأمثلته كثيرة، وخير من يمثلها الإمام الطبري في تفسيره عند تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِيْنَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُوْنُوْا قِرَدَةً خَاسِئِيْنَ} [البقرة: 65] ، فقد استعرض آراء المفسرين وأدلتهم في قوله: {قِرَدَةً خَاسِئِيْنَ} ، وهل مُسخوا على الحقيقة قردة؟ ثم وازن بين الأقوال، ورجح بالدليل.
قال الطبري:"قال ابن عباس: فأصبحوا فيها - دورهم - قردة، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه، وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد ..."
(1) السيوطي: الإتقان في علوم القرآن 2/ 190، وينظر أيضا الذهبي: التفسير والمفسرون 1/ 148.