الدليل الثاني:
الأمر بقتال الشيوخ نصًا، فعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ» [1]
قوْله: «اسْتَحْيوا» ،أَي: اتركوهم أَحيَاء، قَالَ الله سُبْحانهُ وَتَعَالَى: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [الْبَقَرَة:49] ،أَي: يتركونهنّ أَحيَاء، وَأَرَادَ بالشرخ: الصّبيان، وبالشيوخ: الشبَّان، والشرخ: جمع شارخ، وهُو الْحدِيث السن، وشرخ الشَّبَاب: أَوله. [2]
َالشَّيْخُ مَنْ اسْتَبَانَتْ فِيهِ السِّنُّ أَوْ مَنْ بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ إحْدَى وَخَمْسِينَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الرِّجَالُ الْمَسَانُّ أَهْلِ الْجَلَدِ وَالْقُوَّةِ عَلَى الْقِتَالِ وَلَمْ يُرِدْ الْهَرَمِيَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالشُّيُوخِ مَنْ كَانُوا بَالِغِينَ مُطْلَقًا فَيُقْتَلُ وَمَنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يُقْتَلُ فَيُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيَانِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالشَّرْخِ مَنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الشَّبَابِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ حَسَّانُ:
إنَّ شَرْخَ الشَّبَابِ وَالشَّعْرِ الْأَسْوَدِ ... مَا لَمْ يُعَاصَ كَانَ جُنُونًا
فَإِنَّهُ يُسْتَبْقَى رَجَاءَ إسْلَامِهِ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: الشَّيْخُ لَا يَكَادُ يُسْلِمُ وَالشَّبَابُ أَقْرَبُ إلَى الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مَخْصُوصًا بِمَنْ يَجُوزُ تَقْرِيرُهُ عَلَى الْكُفْرِ بِالْجِزْيَةِ. [3]
«اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ» ):أَرَادَ مَا يُقَابِلُ الصِّبْيَانَ، وَأَمَّا الشَّيْخُ الْفَانِي فَلَا يُقْتَلُ إِلَّا إِذَا كَانَ ذَا رَأْيٍ (وَاسْتَحْيُوا) :أَيِ اسْتَبْقُوا (شَرْخَهُمْ) :بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (أَيْ صِبْيَانَهُمْ) :تَفْسِيرٌ مِنَ الصَّحَابِيِّ، أَوْ أَحَدِ الرُّوَاةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي النِّهَايَةِ: الشَّرْخُ الصِّغَارُ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكُوا، وَأَمَّا تَفْسِيرُ الِاسْتِحْيَاءِ بِالِاسْتِرْقَاقِ فَتَوَسُّعٌ وَمَجَازٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْغَرَضَ مِنِ اسْتِبْقَائِهِمْ إِحْيَاءُ اسْتِرْقَاقِهِمْ وَاسْتِخْدَامِهِمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَرَادَ بِالشُّيُوخِ الرِّجَالَ وَالشُّبَّانَ أَهْلَ الْجَلَدِ مِنْهُمْ وَالْقُوَّةِ عَلَى الْقِتَالِ، وَلَمْ يُرِدِ الْهَرْمَى الَّذِينَ إِذَا سُبُوا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِمْ لِلْخِدْمَةِ وَأَرَادَ بِالشَّرْخِ الشُّبَّانَ أَهْلَ الْجَلَدِ يَصْلُحُونَ لِلْمِلْكِ وَالْخِدْمَةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الشَّرْخُ أَوَّلُ الشَّبَابِ فَهُوَ
(1) - سنن أبي داود (3/ 54) (2670) والمعجم الكبير للطبراني (7/ 217) (6902) وسنن الترمذي ت بشار (3/ 197) (1583) صحيح لغيره
(2) - شرح السنة للبغوي (11/ 48)
(3) - سبل السلام (2/ 473)