ووجه الدلالة من هذا الحديث وجود عرفاء في المعركة بمقتضى تنصيبهم قبل البدء فيها، بأن يكون لكل مجموعة منهم عريف يرعى شؤونهم ويبلغهم أوامر القائد وتعليماته ويرفع إليه ما هم في حاجة إليه.
وفي هذا الحديث الشريف تربية عملية من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمن ولي أمور المسلمين ألا يتصرف في حقوقهم بدون إذنهم، فهو - صلى الله عليه وسلم - ولي أمر المسلمين وكان أصحابه رضي الله عنهم يقدمون طاعته على رغبات أنفسهم، ويقدمون محبته على محبة أرواحهم، يتسابقون لإنفاذ أوامره، وهو - صلى الله عليه وسلم - معصوم من أن يظلم أو يجور أو يتبع هوى أو شهوة، ومع ذلك يطلب من أصحابه أن يردوا سبي هوازن فيلبون طلبه، ولكنه يخشى أن يكون بعض الأفراد غير راضين، فلا يبتُّ في الأمر حتى يرد الأمر إلى عرفاء الناس الذين يستطيعون أن يعرفوا رأي كل واحد من جماعتهم، ليستيقن - صلى الله عليه وسلم - أن القوم راضون غير مكرهين ولا محرجين.
فأين هذا الأدب النبوي العظيم مما يعمله من ولاّهم الله رقاب المسلمين من الزعماء الذين يغتصبون حقوق الناس بدون حق، ويعملون شتى أنواع الحيل للوصول إلى ذلك، إما في صورة قانون جائر، وإما عن طريق بطش ظالم ...
إذا أراد الإمام غزو بلدة أو قبيلة في الشمال مثلًا أظهر أنه يريد جهة الجنوب مثلًا، فالحرب خدعة، وفي هذا فائدتان:
الأولى: أن خسائر الأرواح والأموال تقل بين الطرفين فتحل الرحمة محل القسوة.
والثانية: توفير طاقة جيش المسلمين من رجال وعتاد لمعركة لا تجدي فيها الخدعة.
عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا، وَاسْتَقْبَلَ غَزْوَ عَدُوٍّ كَثِيرٍ، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ، لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ» [1]
(1) - صحيح البخاري (4/ 48) (2948)
[ش (قلما) قل فعل ماض دخلت عليه ما ومعناه قليل. (مفازا) الموضع المهلك سمي بذلك تفاؤلا بالفوز والسلامة. (فجلى) أظهره. (ليتأهبوا) ليستعدوا. (أهبة عدوهم) الاستعداد اللازم لملاقاة عدوهم. (بوجهه) بجهته التي يريد]