وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ إِبَاحَتُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ غَيْظًا لَهُمْ، وَإِضْعَافًا فَأَشْبَهَ قَتْل بَهَائِمِهِمْ حَال قِتَالِهِمْ. [1]
وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ الْقَوْل فِيهِ، فَقَالُوا: إِنْ قَصَدَ بِإِتْلاَفِهَا أَخْذَ عَسَلِهَا كَانَ إِتْلاَفُهَا جَائِزًا قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ أَخْذَ عَسَلِهَا، فَإِنْ قَلَّتْ كُرِهَ إِتْلاَفُهَا، وَإِنْ كَثُرَ فَيَجُوزُ فِي رِوَايَةٍ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ لاَ يَجُوزُ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي حَال الْكَثْرَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ النِّكَايَةِ لَهُمْ. [2]
الظفر بالعدو أمر تتوق له النفس، والانتقام منه كذلك أمر ينزل البرد على القلوب.
وعندما يكون الظافر صاحب حق - ولا حق سوى الإسلام - والعدو صاحب باطل - وأعظم الباطل هو الكفر - وعندما يكون هذا العدو الكافر قد عاند الحق وجحده وآذى صاحبه - المؤمن - ولم يرع في حقه عهدًا ولا قرابة، عندما يكون الظافر هو المسلم المظلوم، والمظفور به هو الكافر الظالم، تكون مسوغات الانتقام في قمة الحجة والبرهان.
وهنا تتوق النفس إلى استعمال أشد الأساليب انتقامًا.
أليس للمسلم الحق أن يقتل الكافر المحارب الذي لم يأل جهدًا في التنكيل بالمسلم وفتنته وإيذائه؟ وإذا كان للمسلم الحق في قتل هذا الكافر أيقتله بوسيلة سهلة، لا يذوق بها العذاب الذي أذاق المسلم ما قد يكون أشد منه؟
فتتجاوب العواطف طالبة قتله بأشد أساليب القتل، ولعل حر النار أشفى لقلب المسلم عندما يراها تلتهم كل جزء من أجزاء بدن عدوه الكافر، فليكن قتله بالنار، هو الشافي.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا قَدَرَ عَلَى الْعَدُوِّ فَلاَ يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ بِالنَّارِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَعْثٍ فَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ» ،ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ: «إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا» . [3]
(1) - ابن عابدين 3/ 223ز
(2) - حاشية الدسوقي 2/ 181ز
(3) - صحيح البخاري (4/ 61) (3016)