فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 249

من الضروري للقائد أن يكون جيشه منضبطًا منظمًا تنظيمًا يمكنه من تبليغ ما يريد تبليغه إياهم بأقصى سرعة ممكنة، كما أنه قد يحتاج إلى إقناعهم بأمر ما من أمور الحرب، ويصعب إقناع كل فرد على حدة لكثرتهم، وقد يظهر بعضهم رضاه بما يأمرهم به القائد، فيظن القائد أن الجيش كله قد وافق على ذلك، مع أن بعضهم قد يكون غير راضٍ، وفي ذلك ما فيه من الخطر الذي قد يقع ممن لم يرضَ بذلك الأمر في وقت يصعب فيه تدارك الأمر، لذلك يجب أن يقسم القائد المسلم جنده إلى مجموعات طبقًا لما تقتضيه المصلحة، ويؤمر على كل مجموعة عريفًا أو نقيبا يكون مسئولًا عنهم، وعن طريقه تكون البلاغات والأوامر والمشاورة، وغير ذلك من الأمور.

ففي غزوة حُنَيْن: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ، أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"أَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ، وَإِمَّا المَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ"،وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي المُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلاَءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ» فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّا لاَ نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ» فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرُوهُ: أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا" [1] ."

(1) - صحيح البخاري (3/ 100) (2307)

(وفد) الذين يقصدون الأمراء لزيارة وغير ذلك نيابة عن قومهم. (هوازن) قبيلة من خزاعة. (سبيهم) ما أخذ منهم من النساء والأولاد. (أصدقه) الذي يوافق الحقيقة والواقع. (الطائفتين) المال أو السبي. (استأنيت بهم) انتظرت وتربصت. (بضع) من ثلاث إلى تسع. (قفل) رجع. (يطيب بذلك) يرد السبي مجانا برضا نفسه وطيب قلبه. (حظه) نصيبه من السبي. (يفيء) من الفيء وهو ما يحصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد وأصل الفيء الرجوع فكأن المال في الأصل حق المؤمنين المسلمين فرجع إليهم بعد ما حازه الكافرون بغير استحقاق. (يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم) جمع عريف وهو الذي يعرف أمر القوم وأحوالهم والغرض من ذلك التقصي عن حالهم ومعرفة الغاية من استطابة نفوسهم]

(إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ) قَالَ الطِّيبِيُّ جَعَلَ الْمَالَ طَائِفَةً إِمَّا عَلَى الْمَجَازِ، أَوْ عَلَى التَّغْلِيبِ قُلْتُ، أَوْ عَلَى الْمُشَاكَلَةِ لَكِنْ فِي الْقَامُوسِ الطَّائِفَةُ مِنَ الشَّيْءِ الْقِطْعَةُ مِنْهُ، أَوِ الْوَاحِدُ فَصَاعِدًا، أَوْ إِلَى الْأَلْفِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الطَّائِفَةُ مِنَ الشَّيْءِ قِطْعَةٌ مِنْهُ فَلَا مَجَازَ وَيُؤَيِّدُهُ كَلَامُ الرَّاغِبِ الطَّوَّافِ الْمَشْيُ حَوْلَ الشَّيْءِ وَمِنْهُ الطَّائِفُ لِمَنْ يَدُورُ حَوْلَ الْبَيْتِ وَمِنْهُ اسْتُعِيرَ الطَّائِفُ لِلْخَيَالِ وَالْحَادِثَةِ وَغَيْرِهَا وَالطَّائِفَةُ مِنَ النَّاسِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ وَمِنَ الشَّيْءِ الْقِطْعَةُ مِنْهُ (قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا) فَإِنَّهُ أَعَزُّ مِنَ الْمَالِ مَعَ أَنَّ فِي سَبْيِهِمُ الْعَارَ وَمِنْ أَمْثَالِهِمُ النَّارَ وَلَا الْعَارَ (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -) ; أَيْ خَطِيبًا وَاعِظًا وَلَعَلَّ إِعَادَتَهُ لِطُولِ الْفَصْلِ (فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ) ; أَيْ بِمَا يَلِيقُ لِجَمَالِهِ وَكَمَالِهِ (ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ) ; أَيْ بَعْدَ الثَّنَاءِ الْجَمِيلِ وَالْحَمْدِ الْجَزِيلِ (فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ) ; أَيْ فِي الدِّينِ، أَوْ فِي النَّسَبِ (جَاءُوا تَائِبِينَ) ; أَيْ مِنَ الشِّرْكِ رَاجِعِينَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ مُسْلِمِينَ مُنْقَادِينَ (وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ) مِنَ الرَّأْيِ (أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ) ; أَيْ جَمِيعَهُ إِلَيْهِمْ (فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ) ; أَيِ السَّبْيَ يَعْنِي رَدَّهُ قَالَ مِيرَكُ نَاقِلًا عَنِ الشَّيْخِ هُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ ; أَيْ يُعْطِيَهُ عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ (فَلْيَفْعَلْ) وَقَالَ الطِّيبِيُّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا رَأَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الرَّأْيِ وَهُوَ رَدُّ السَّبْيِ وَالْمَعْنَى مَنْ يُطَيِّبُ عَلَى نَفْسِهِ الرَّدَّ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنْ يَطِيبَ بِالتَّخْفِيفِ (وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ) ; أَيْ نَصِيبِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَدُومَ عَلَى حَظِّهِ لِأَجْلِهِ فَيَتَرَقَّبَ (حَتَّى نُعْطِيَهُ ; إِيَّاهُ) ; أَيْ عِوَضَهُ (مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا) مِنَ الْإِفَاءَةِ (فَلْيَفْعَلْ) وَالْفَيْءُ مَا أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ الْحَرْبِ كَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ (فَقَالَ النَّاسُ) ; أَيْ بَعْضُهُمْ مِمَّا بَيْنَهُمْ، أَوْ كُلُّهُمْ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ (قَدْ طَيَّبْنَا) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْبَاءِ (ذَلِكَ) ; أَيِ الرَّدَّ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:إِنَّا لَا نَدْرِي) :أَيْ بِطَرِيقِ الِاسْتِغْرَاقِ (مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ) ; أَيْ رَضِيَ ذَلِكَ الرَّدَّ (مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ) ; أَيْ لَمْ يَرْضَ، أَوْ مَنْ أَذِنَ لَنَا مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ قَالَ الْمُظْهِرُ وَإِنَّمَا اسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصَّحَابَةَ فِي رَدِّ سَبْيِهِمْ ; لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ صَارَ مِلْكًا لِلْمُجَاهِدِينَ وَلَا يَجُوزُ رَدُّ مَا مَلَكُوا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ (فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ عُرَفَاؤُكُمْ) ; أَيْ رُؤَسَاؤُكُمْ وَنُقَبَاؤُكُمْ (أَمْرَكُمْ) ; أَيْ تَفْصِيلَهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ حَتَّى هَاهُنَا غَيْرُ حَتَّى السَّابِقَةِ ; لِأَنَّ الْأُولَى مَا بَعْدَهَا الْمُسْتَقْبَلُ وَهِيَ بِمَعْنَى كَيْ وَهَذِهِ مَا بَعْدَهَا فِي مَعْنَى الْحَالِ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا كَقَوْلِهِمْ شَرِبَتِ الْإِبِلُ حَتَّى يَجِيءَ الْبَعِيرُ (فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا) ; أَيْ عُرَفَاؤُهُمْ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ) ; أَيِ النَّاسَ كُلَّهُمْ (قَدْ طَيَّبُوا) ; أَيْ ذَلِكَ الرَّدَّ (وَأَذِنُوا) ; أَيْ بِالرَّدِّ إِلَيْهِمْ"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2554) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت