فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا
إِنَّ الأَعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ [1]
وعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - غَدَاةً بَارِدَةً، وَالْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ، قَالَ:
إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ ... فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ.
فَأَجَابُوهُ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا. [2]
قال الحافظ:(قَوله:"باب الرَّجَز فِي الحَرب ورَفع الصَّوت فِي حَفر الخَندَق"الرَّجَز بِفَتحِ الرّاء والجِيم والزّاي مِن بُحُورِ الشِّعر عَلَى الصَّحِيح، وجَرَت عادَة العَرَب بِاستِعمالِهِ فِي الحَرب لِيَزِيدَ فِي النَّشاط ويَبعَث الهِمَم.
وفِيهِ جَواز تَمَثُّل النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِشِعرِ غَيره.
وفِيهِ جَواز رَفع الصَّوت فِي عَمَل الطّاعَة لِيُنَشِّط نَفسه وغَيره.
قَوله هُنا فِي حَدِيث البَراء إِنَّ العِدا قَد بَغَوا عَلَينا"يَأتِي الكَلام عَلَيهِ فِي كِتاب التَّمَنِّي عَقِب كِتاب الأَحكام وكَأَنَّ المُصَنِّف أَشارَ فِي التَّرجَمَة بِقَولِهِ:"ورَفع الصَّوت فِي حَفر الخَندَق إِلَى أَنَّ كَراهَة رَفع الصَّوت فِي الحَرب مُختَصَّة بِحالَةِ القِتال، وذَلِكَ فِيما أَخرَجَهُ أَبُو داوُدَ مِن طَرِيق قَيس بن عَبّاد قالَ:"كانَ أَصحاب رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَكرَهُونَ الصَّوت عِند القِتال.). [3] ."
قَوْلُهُ: (يَكْرَهُونَ الصَّوْتَ عِنْدَ الْقِتَالِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ حَالَ الْقِتَالِ وَكَثْرَةَ اللَّغَطِ وَالصُّرَاخِ مَكْرُوهَةٌ، وَلَعَلَّ وَجْهَ كَرَاهَتِهِمْ لِذَلِكَ أَنَّ التَّصْوِيتَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ رُبَّمَا كَانَ مُشْعِرًا بِالْفَزَعِ وَالْفَشَلِ بِخِلَافِ الصَّمْتِ فَإِنَّهُ دَلِيلُ الثَّبَاتِ وَرِبَاطِ الْجَأْشِ. [4]
(1) - صحيح البخاري (4/ 64) (3034)
(2) - مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (20/ 382) (37968) صحيح
(3) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (6/ 161)
(4) - نيل الأوطار (7/ 287) وعون المعبود وحاشية ابن القيم (7/ 229)