وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ شُبْهَةُ الْخِلَافِ إذَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِنَا وَحُكْمُنَا فِيهِمْ بِمَا رَأَيْنَا وَيَتَمَكَّنُ ذَلِكَ إذَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ فَهَذَا فَائِدَةُ هَذَا اللَّفْظِ.
(قَالَ) :وَإِذَا حَاصَرْتُمْ أَهْلَ حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ فَأَرَادُوكُمْ أَنْ تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَا تُعْطُوهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ رَسُولِهِ وَلَكِنْ أُعْطُوهُمْ ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ آبَائِكُمْ فَإِنَّكُمْ إنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ آبَائِكُمْ فَهُوَ أَهْوَنُ وَالْمُرَادُ بِالذِّمَّةِ الْعَهْدُ وَمِنْهُ سُمِّيَ أَهْلُ الذِّمَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة:10] أَيْ عَهْدًا فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اللُّزُومِ وَمِنْهُ سُمِّيَ مَحِلُّ الِالْتِزَامِ مِنْ الْآدَمِيِّ ذِمَّةٌ وَالِالْتِزَامُ بِالْعَهْدِ يَكُونُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعْطُوا الْمُشْرِكِينَ عَهْدَ اللَّهِ وَلَا عَهْدَ رَسُولِهِ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا يَحْتَاجُونَ إلَى النَّبْذِ إلَيْهِمْ وَنَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ وَعَهْدِ رَسُولِهِ لَا يَحِلُّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَلَكِنْ أَعْطُوهُمْ ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ آبَائِكُمْ يَعْنِي: عَهْدَكُمْ وَعَهْدَ آبَائِكُمْ مِنْ الْمُمَالَحَةِ وَالصُّحْبَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْتَقِدُونَ الْحُرْمَةَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّكُمْ إنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ فَهُوَ أَهْوَنُ أَيْ تَنْقُضُوا يُقَالُ: أَخْفَرَ إذَا نَقَضَ الْعَهْدَ، وَخَفَرَ أَيْ عَاهَدَ وَمِنْهُ الْخَفِيرُ وَهُوَ الَّذِي يَسِيرُ النَّاسُ فِي أَمَانِهِ سُمِّيَ خَفِيرًا لِلْمُعَاهَدَةِ مَعَ الَّذِينَ فِي أَمَانِهِ أَوْ مَعَ الَّذِينَ يَتَعَرَّضُونَ لِلنَّاسِ فِي أَنْ لَا يَقْصِدُوا مَنْ كَانَ فِي أَمَانِهِ وَهَذَا بَيَانُ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [1]
وقال أبو يوسف:"إِذا سَأَلَ الْكفَّار أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُوله:"
وَلَو سَأَلُوا أَن ينزلُوا على أَن يحكم فيهم بِحكم الله تَعَالَى أَو حكم الْقُرْآن؛ فَإِن الحَدِيث جَاءَ بِالنَّهْي أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فيهم؛ لأَنا لَا نَدْرِي مَا حكم الله يهم؛ فَلَا يجابوا إِلَى ذَلِك، فَإِن أجابوهم وَنزل الْقَوْم على ذَلِك فَالْحكم فيهم إِلَى الإِمَام يتَخَيَّر أفضل ذَلِك للدّين وَالْإِسْلَام، إِن رأى أَن قتل الْمُقَاتلَة وَسبي الذُّرِّيَّة أفضل لِلْإِسْلَامِ وَأَهله أمضى ذَلِك فيهم على حكم سعد بن معَاذ، وَإِن رأى أَن يجعلههم ذمَّة يؤدون الْخراج أفضل لِلْإِسْلَامِ وَالدّين وَأحسن فِي توفير الْفَيْء الَّذِي يتقوى بِهِ الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم وعَلى غَيرهم من الْمُشْركين أمضى ذَلِك الْأَمر فيهم؛ أَلا ترى أَن الله عز وَجل يَقُول فِي كِتَابه الْعَزِيز حَتَّى
(1) - المبسوط للسرخسي (10/ 7)