مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَيَلْتَزِمُونَ أَحْكَامَنَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ فَيُدْعَوْنَ إلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِالْإِعْطَاءِ الْقَبُولُ وَالِالْتِزَامُ فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَاقْبَلُوا مِنْهُمْ وَكُفُّوا عَنْهُمْ وَإِذَا حَاصَرْتُمْ أَهْلَ حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ فَأَرَادُوكُمْ أَنْ تُنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تُنْزِلُوهُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ وَبِهِ يَسْتَدِلُّ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إنْزَالُ الْمُحَاصَرِينَ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُجَوِّزُ ذَلِكَ وَيَقُولُ: كَانَ هَذَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنَّ الْوَحْيَ كَانَ يَنْزِلُ وَالْحُكْمُ يَتَغَيَّرُ سَاعَةً فَسَاعَةً فَاَلَّذِينَ كَانُوا بِالْبُعْدِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانُوا لَا يَدْرُونَ مَا نَزَلَ بَعْدَهُمْ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ اسْتَقَرَّ الْحُكْمُ وَعُلِمَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمُشْرِكِينَ الدُّعَاءُ إلَى الْإِسْلَامِ وَتَخْلِيَةُ سَبِيلِهِمْ إنْ أَجَابُوا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة:5] فَإِنْ أَبَوْا فَالدُّعَاءُ إلَى الْتِزَامِ الْجِزْيَةِ فَإِنْ أَبَوْا فَقَتْلُ الْمُقَاتِلَةِ وَسَبْيُ الذُّرِّيَّةِ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: لَا يَجُوزُ الْإِنْزَالُ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ فَإِنَّ الْحُكْمَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي قَوْمٍ وَقَعَ الظُّهُورُ عَلَيْهِمْ فَأَمَّا فِي قَوْمٍ مَحْصُورِينَ مُمْتَنِعِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَدْرِي أَنَّ الْحُكْمَ هَذَا أَوْ غَيْرُهُ وَفِي هَذَا اللَّفْظِ دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ وَلَوْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا لَكَانَ يَعْلَمُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ بِالِاجْتِهَادِ لَا مَحَالَةَ.
(فَإِنْ قِيلَ) :فَقَدْ قَالَ: أَنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِكُمْ ثُمَّ اُحْكُمُوا فِيهِمْ بِمَا رَأَيْتُمْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُجْتَهِدُ مُصِيبًا لِلْحَقِّ لَمَا أَمَرَ بِإِنْزَالِهِمْ عَلَى حُكْمِنَا فَإِنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِالْإِنْزَالِ عَلَى الْخَطَأِ وَإِنَّمَا يَأْمُرُ بِالْإِنْزَالِ عَلَى الصَّوَابِ.
(قُلْنَا) :نَعَمْ، نَحْنُ لَا نَقُولُ الْمُجْتَهِدُ يَكُونُ مُخْطِئًا لَا مَحَالَةَ وَلَكِنَّهُ عَلَى رَجَاءٍ مِنْ الْإِصَابَةِ وَهُوَ آتٍ بِمَا فِي وُسْعِهِ فَلِهَذَا أُمِرَ بِالْإِنْزَالِ عَلَى ذَلِكَ لَا لِأَنَّهُ يَكُونُ مُصِيبًا لِلْحَقِّ بِاجْتِهَادِهِ لَا مَحَالَةَ.