{ لا يَسْألُونَ النَّاسَ إلحْافًا } : أى إلحاحًا ، وهو أن يلازم السائل المسثول حتى يعطيه ، وأصل الإلحاف الإعطاء من فضل الماء ولو بلا لزوم ، وإذا ألأجتهم الضرورة إلى السؤال سألوا بلا إلحاح ، وقال الجمهور: المعنى نفى المقيد فيلزم انفإء القيد ، أى نفى الله السؤال رأسا ، فلا إلحاح ، لأن الإلحاح في السؤال وهو أبلغ في المدح وأنسب بقوله: { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف } ، ولا يلزم ذلك إلا من يسأل نادرًا للضرورة بلا إلحاح ولا تملق ولا خضوع لذى مال يخفى حاله ، ويحسب غنياء ، والمقصود في القولين خصوصا قول الجمهور ذم من يسأل إلحافا ، ومن قول الجمهور قول الشاعر:
على لا حب لا يهتدى بمناره ... أى ليس له منار يهتدى به ، واللحب الطريق الواضح ، وعن أبى ذر: من كانت له أربعون درهما ثم سأل فقد ألحف ، وبعض الفقهاء يقولون إذا كانت له خمسون درهما لم تحل له المسألة والصدقة: وعامة فقهائنا أوب عبيدة وغيره يقولون: صاحب الخادم والمسكن والغلام؛ وصاحب المائة والمائتين يعطى من الزكاة إذا كان لا تقوتهم ، ويسحب له إن يعف ، وذكروا عنه عليه السلام: « أن المسكين ليس بالطواف الذى ترده التمرة والتمرتان ، والأكلة والأكلتان ، ولكن المسكين الذى لا يجد غنى نفسه ولا يسأل الناس إلحاف » وعنه A: « ليس الغنى عن كثرة العَرَض ولكن الغنى غنى النفس » وفى رواية: « ليس المسكين الذى ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذى لا يجد غنى يغنيه ولا فطن به فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس » ، فقيل الفرق بين الفقير ولامسكين لهذا أن المسكين لا يسأل ، وقد يقال المراد أن المسكين المعتبر في كثرة الثواب هو من صفته ذلك؛ فقال الزبير عن رسول الله A: « لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأت الجبل فيأتى منعوه » وعن ابن مسعود عن رسول الله A: « من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح قيل يا رسول الله عيك وسلم وما يغنيه قال خمسون درهما أو قيمتها نم الذهب » والحديث بهذا اللفظ في أبى داود والنسائى والترمذى ، وببعض مخالفة لذلك اللفظ وإسقاط في السؤالت وأفردت كتابا صغيرا في حديث: