ولو قال: وهم المفلحون لم يفد كل ذلك بل بعضه ، وقرنت الجملة الثانية بالواو والعاطفة لمغايرة الإفلاح للهدى ، فإن الإفلاح الفوز بالمطلوب من رضى الله - جل وعلا - ونعيم الجنة والنجاة من النار وهو في الآخرة ومقصود على حدة والهدى الدلالة والتوفيق وهما في الدنيا مقصودان على حدة بخلاف قوله تبارك وتعالى: { أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } إن وصفهم بكونه كالأنعام ووصفهم بالغفلة واحد في الحقيقة . وأما الثانى لا مقرر للأول إذ لا معنى للتشبيه باأنعام إلا المبالغة في الغفلة ، وكونها كالأنعام وغفلتهم كلاهما في الدنيا . فلذلك الاتحاد في المعنى والزمان لم يكن بالعطف لاقتضائه التغاير . . والله أعلم . والتحقيق عندى أن أولئك هم المفلحون يفيد الحصر وتأكيد نسبة الإفلاح إلى أولئك . وإيضاح كون المفلحون خيرًا لا نعتًا والترغيب في اقتفاء أثرهم وإظهار قدرهم ، سواء جعلنا قولهم هم ضمير فصل أو مبتدأ . وإذا عقلت هذا الحصر ظهر لك أن أصحاب الكبائر يخلدون في النار ، فإن المعنى لا يفلح إلا المتصفون بتلك الصفات . فمن لم يتصف بها غير مفلح ، ومن يدخل النار غير مفلح . ولو فرضنا خروجه منها لكان مفلحًا وغير مفلح ، وهذا لا يصح . ولعل قومنا القائلين بالخروج يجعلون أل في المفلحون للكمال ، أى أولئك هم المتصفة ، بتلك الصفات هم أصحاب الفلاح الكامل وغيرهم ممن أقر وفسق مفلحون أيضًا . لكن فلاحهم غير كامل . أم يقولون نزل فلاحهم منزلة العدم ، فحصل الفلاح في المتصفين بتلك الصفات ، وإنما لم نسلم لهم هذين التأويلين لو لم يكونا خلاف الظاهر بلا داع موجب ، ولا يعارضوننا بوصف الفاسق كغيره بالاصطفاء في قوله D: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } لإنه مشروط بالموت على التوبة . وإن قلت: لو قيل أولئك المفلحون على الابتداء والخبر لأفاد الحصر أيضًا بدون ذكر قوله: هم . قلت: نعم لكن إذا ذكر قوله هم ، كان هو المفيد للحصر بواسطة ما بعده ، مع أنه قد يتوهم من عدم ذكره كون المفلحون نعتًا لأولئك فلا يظهر تمام الإسناد فضلا عن الحصر . وأل في المفلحون للعهد الذهنى ، أى أولئك هم الناس الذين بلغك أنهم مفلحون ، أو للحقيقة حقيقة المفلحين ، أو للعهد الذكرى إذا ذكر من يفلح في غير هذه الآية في السورة النازلة قبل هذه السورة ، وإذا تتبعت الكلام وجدت كل كلمة أصلها الأول فاء . والثانى لام دالة على الشق بظهور أو تأويل . كفلق وفلذا وفلى ، فكذلك المفلح قد انفتح له وجوه الظفر وانشقت له ، وفلق شق ، وفلذٌ قطع . وأفلاذ الكبد قطعها . وفلى رأس الكافر ضربه بالسيف ، ويكون الفلاح أيضًا في لغة العرب بمعنى البقاء . فيصح تفسير الآية به ، أى أولئك هم الباقون في النعيم الدائم ، الخالدون فيه ، الذين لا ينقطعون عنه أبدا . قال الشاعر:
لو أن حيا مدرك الفلاح ... أدركه ملاعب الرماح
أى مدرك البقاء ، غير أنه يحتمل أن يريد بالفلاح الفوز بالمطلوب وهو البقاء فلم يخرج عن تفسير الفلاح بالفوز بالمطلوب . فافهم .