وقيل المراد أحبار اليهود والمنافقين ، فإن المنافقين كانوا يأمرون بما سمعوا من أمر الإسلام ولا يفعلونه ، وذلك من جملة نفاقهم .
{ وَأنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ } : التوراة أو جنس الكتاب ، فيشمل التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله سبحانه وتعالى ، وفى الكتاب الوعيد على ترك البر ومخالفة القول العمل ، وإنكار الحق فيه صفة محمد A والحث على أفعال الخير ، والإعراض عن القبيحة كيف تفعلون ما يخالف الآيات اللاتى تدرسون ، وجملة { وأنتم تتلون الكتاب } من جملة تعلمون في كونها حالا تبكيتية .
{ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } : أتأتون ذلك فلا تعقلون سوء صنعكم وقبحه ، كمسلوب العقل بأنى فعلا قبيحًا شنيعًا ولا يستحى منه ولا يشعر بقبحه ، ففيه تشبيههم بالمجانين إذ لو استعملوا عقولهم لصدهم قبح ذلك عن ارتكابه ، وتأتون ذلك فلا تعقلون جزاءه فيصدكم استشعار جزائه عن ارتكابه ، فأنتم كمجانين يلقون أنفسهم فيما يهلكهم ، ومفعلو بفعل مقدر معتبر على الوجهين ، ويجوز تنزيله منزلة اللازم بعد تحقيق القصد به ، أى فلا عقل لكم ولو كان لكن لعلمتم به قبح ذلك وجزاءه ، ولك وجه آخر في اعتبار المفعول لكنه مرجوح هكذا أفلا تعقلون إنهُ حق فتتبعونهُ ، والعقل في الأصل المنع عن الشىء كمنع الدابة عن ال ب لقيد سمى به إدراك الحق وتمييزه من الباطل ، وإدراك الحسن والقبح ، لأنه مانع عما يقبح عن الباطل والشر ، وحابس عما يحسن ، وعلى الخير بعد أن يدركهما من الشرع ، وكذا الحسن والخير المباحين ، وسمى به أيضًا القوة التى تدرك النفس بها ذلك كما قيل العقل قوة تهيء قبول العلم ، والآية مشنعة على من يعظ غيره ولا يتعظ ، فإنه كقاعد يروم أن يقيم قاعدًا ، وقد يحصل قيام هذا القاعد بإذن الله ومقيمه قاعد ، وكنحس يريد تطهير نجس ، وكمتوسخ يريد تنظيف موسخ فإنهُ لا يتنظف إلا بعد تنظيف العضو الذى به التنظيف ، وكالتنظيف بماء وسخ:
بالماء يطهر ما قد ساخ واتسخا ... فكيف بالماء إن وسخ به رسخا؟
وكمن يشفق على غيره أن يقع في مهواة أو نار ، ويغفل عن نفسه وهو مشرف عليه ، فاشتغل بتنحيته وأعرض عن نفسه ، وكن يسعى في تحصيل مآكل ومشارب وملابس ومساكن لغيره ، وترك نفسه للجوع والعطش والعراء ، وكن يفعل شيئًا وينقضه ، فإن الواعظ ينقض وعظه بفعله ، لأن فعله منفر عن قبول وعظه فلا يصل القلب ، وبالجملة فإن من جمع بين العلم الحقيق والعقل تأبى نفسه الشديدة المتمكنة في العلم أن يكون واعظًا غير متعظ ، ولست أعنى أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر محطوطان عن الفاسق أو المشرك ، بل هما واجبان عليه لأن ترك فرض الطاعة والإيمان لا يبيح ترك الأمر والنهى ، قال A: