{ وجَاء بكُم من البدْوِ } من البادية ، وكانوا أصحاب مواش يرعونها ويأوون إلى الحضر ، وليسوا بأهل عمود يتبعون الماء والحشيش ، فلا دليل فيه على أنه يجوز أن يكون النبى بدويا ، وقيل: إن يعقوب وبنيه بدويون ، فإن صح فلا دليل فيه ، لأن أصلهم في الحضر فارتحلوا للبدو للغنم فقد تأدبوا بأدب الحضر ، وأبقوا وطنهم في الحضر ، أو أنه جائز في شرعهم التبدى بعد التحضر ، وسمى خلاف الحضر بدوا لأنه تبدا أرضه ، ويظهر فيها الشخس ، ووجه كون المجئ بهم من البدو إحسانا أن فيه إغناء عن مشقة البدو ، أو جمعا بينهم وبين يوسف وقيل: البدو اسم مدينة وهو ضعيف ، والخطاب لأبويه وإخوته ومن معهم .
{ مِنْ بعدِ أنْ نزغَ الشيِّطانُ } أفسد وأغرى بالشر ، من قولك: نزغ الدابة إذا نسخها لتجرى ، أو لتضرب برجلها ، أو تعض بفيها { بيْنى وبين إخْوتى } سكن ياءه غير ورش ، ونزغ الشيطان وسوسته ، وخالق الخير والشر الله .
{ إنَّ ربِّى لطِيفٌ } أى لطيف تدبيره أو أن تدبيره لطيف رقيق { لما يشاءُ } أى لأجل ما يشاء ، حتى يجئ على وفق الحكمة والصواب ، لا يتعاصى عنه شئ ، فانظر كيف جمع بين يوسف وأبيه وإخوته وأقاربه بإلقائه في الجب ، فإن ذلك أمر خفى لا يتقطن له أحد ، أو اللطيف الرفق ، وعليه فيجوز إبقاء اللام على أصلها ، وجعلها بمعنى الباء { إنَّه هو العليم } بخلقه ومصالحهم وتبديرها { الحَكيمُ } فى صنعه ، لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة .
قال في عرائس القرآن: قال الفضل ابن عياض: بلغنا أن يعقوب دخل مصر مصر وأرى يوسف ومملكته ، وكان يطوف يوما في خزانة فرأى خزانة مملوءة قراطيس فقال: يا بنى ما منعك أن تكتب من هذه القراطيس كتابا إلىَّ؟ قال يوسف: يا أبت منعنى جبريل . فسأل يعقوب عليه السلام جبريل عن ذلك قال: منعنى ربى ، فسأل الله تعالىعن ذلك فأوحى الله إليه ، لأنك قلت: { وأخاف أن يأكله الذئب } فاستوجب هذه العقوبة لخوفك من غيرى .
وفى رواية أن يوسف أخذ بيد يعقوب ، وطاف به خزائن الذهب والفضة ، والحلى والثياب والسلاح ، وغير ذلك ، فأدخله خزائن القراطيس ، قال يا بنى ما منعك ، أو ما أغفلك عن هذه القراطيس ، وما كتبت لى على ثمانى مراحل؟ قال: أمرنى جبريل . قال: أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط إليه منى فاسأله فقال: الله أمرنى بذلك لقولك: { وأخاف أن يأكله الذئب } فخفت غيره ، ولم تذكرنى وهو أحق أن تخافه .
وروى أن يعقوب أقام معه أربعا وعشرين سنة ، ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق ، فمضى به محمولا في تابوت من مساج إلى الشام ، ووافق موت العيص أخى يعقوب فدفنهما في قبر واحد ، وقد ولدا من بطن واحد ، وعمرها مائة وسبعة وأربعون سنة .