فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 678

498 -قال هرم بن حيان: فلما بلغني ذلك، قدمت الكوفة، فلم يكن لي هم إلا طلبه، حتى سقطت عليه وهو جالس على شاطئ الفرات نصف النهار يتوضأ، فعرفته بالنعت الذي نعت لي، فإذا هو رجل لحيم آدم شديد الأدمة، أشعر محلوق الرأس، مهيب المنظر، وزاد غيره، قال: كان رجلًا أشهل أصهب عريض ما بين المنكبين، وفي كتفه اليسرى وضح، وضارب بلحيته على صدره، فسلمت عليه، فرد علي، ونظر إلي، ومددت يدي لأصافحه، فأبى أن يصافحني.

فقلت: يرحمك الله يا أويس وغفر لك! كيف أنت رحمك الله؟ ثم خنقتني العبرة من حبي إياه، ورقتي عليه؛ لما رأيت من حالته، حتى بكيت وبكى، قال: وأنت فحياك الله يا هرم بن حيان، كيف أنت يا أخي؟ من دلك علي؟ فقلت: الله عز وجل فقال: لا إله إلا الله، سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولًا، فقلت له: من أين عرفت اسمي واسم أبي، وما رأيتك قبل هذا اليوم؟ قال: أنبأني العليم الخبير، عرفت روحي روحك حين كلمت نفسي نفسك، إن الأرواح لها أنفاس كأنفاس الأجساد، وإن المؤمنين يعرف بعضهم بعضًا، ويتحابون بروح الله وإن لم يلتقوا، ويتعارفون وإن نأت بهم الدار، وتفرقت بهم المنازل، فقلت: حدثني -يرحمك الله- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني لم أدرك رسول الله، ولم يكن لي معه صحبة، بأبي وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم! ولكن قد رأيت رجالًا أدركوه، ولست أحب أن أفتح هذا الباب على نفسي أن أكون محدثًا، أو قاصًا، أو مفتيًا، فبنفسي شغلٌ عن الناس.

فقلت: أي أخي! اقرأ علي آيات من كتاب الله أسمعها منك، وأوصني #684# بوصية أحفظها عنك، فإني أحبك في الله عز وجل، قال: فأخذ بيدي، ثم قال: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، قال ربي، وأحق القول قول ربي، وأصدق الحديث حديث ربي، ثم قرأ: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين. ما خلقناهما إلا بالحق} إلى قوله: {العزيز الرحيم} ، فشهق شهقة، فنظرت إليه وأنا أحسبه قد غشي عليه.

قال: يابن حيان! مات أبوك حيان، ويوشك أن تموت، فإما إلى الجنة، وإما إلى النار، ومات أبوك آدم، وماتت أمك حواء، يا بن حيان، ومات نوح، وإبراهيم خليل الرحمن، ومات موسى نجي الله، ومات داود خليفة الرحمن، ومات محمد -عليهم السلام-، ومات أبو بكر خليفة رسول الله، ومات أخي وصديقي عمر بن الخطاب، فقلت: رحمك الله، إن عمر لم يمت، قال: بلى، قد نعاه إلي ربي، ونعى إلي نفسي، فأنا وأنت في الموتى ثم صلى على النبي ودعا بدعوات خفاف فقال هذه وصيتي إياك كتاب الله ونعي المرسلين ونعي صالح المؤمنين فعليك بذكر الموت، فلا يفارق قلبك طرفة عين، وأنذر قومك إذا رجعت إليهم، وانصح للأمة جميعًا، وإياك أن تفارق الجماعة، وتفارق دينك وأنت لا تعلم، فتدخل النار، وادع لي ولنفسك.

ثم قال: اللهم إن هذا زعم أنه يحبني فيك، وزارني فيك، فعرفني وجهه في الجنة، وأدخله علي في دارك، دار السلام، واحفظه ما دام في الدنيا حيًا، وأرضه من الدنيا باليسير، واجعله لما أعطيته من نعمك من الشاكرين، واجزه عني خيرًا، ثم قال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، #685# لا أراك بعد اليوم -رحمك الله-، فإني أكره الشهرة، والوحدة أحب إلي؛ لأني كثير الغم ما دمت مع هؤلاء الناس حيًا، ولا تطلبني، ولا تسأل عني، واعلم أنك مني على بال، وإن لم أرك وتراني، فاذكرني، وادع لي؛ فإني سأدعو لك، وأذكرك -إن شاء الله-، انطلق أنت هاهنا حتى آخذ أنا هاهنا، فحرصت عليه أن أمشي معه ساعة، فأبى علي، ففارقته أبكي ويبكي، فجعلت أنظر في قفاه حتى دخل في بعض السكك.

ثم سألت عنه بعد ذلك، وطلبته، فما وجدت أحدًا يخبرني عنه بشيء -رحمه الله، وغفر له-، وما أتت علي جمعة إلا وأنا أراه في منامي مرة أو مرتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت