وأما الغنى فخطره عظيم في جمعه وكسبه وصرفه فإذا سلم كسبه وحسن أخذه من وجهه وصرفه في حقه كان أنفع له فالفقير كالمتعبد المنقطع عن الناس والغنى المنفق في وجوه الخير كالمعين والمعلم والمجاهد ولهذا جعله النبى قرين الذى أتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها فهو أحد المحسودين الذين لا ثالث لهما والجهلة يغبطون المنقطع المتخلى المقصور النفع على نفسه ويجعلونه أولى بالحسد من المنفق والعالم المعلم
فإن قيل فأيهما افضل من يختار الغنى المتصدق والانفاق في وجوه البر أم من يختار الفقر والتقلل ليبعد عن الفتنة ويسلم من الآفة ويرفه قلبه على الاستعداد للآخرة فلا يشغله بالدنيا أم من لا يختار لا هذا ولا ذاك بل يختار ما اختاره الله له فلا يعين باختباره واحدا من الامرين
قيل هذا موضع اختلف فيه حال السلف الصالح فمنهم من اختار المال للجهاد به والانفاق وصرفه في وجوه البر كعبد الرحمن بن عوف وغيره من مياسير الصحابه وكان قيس بن سعد يقول اللهم انى من عبادك الذين لا يصلحهم الا الغنى ومنهم من اختار الفقر والتقلل كأبى ذر وجماعة من الصحابه معه وهؤلاء نظروا الى آفات الدنيا وخشوا الفتنة بها وأولئك نظروا الى مصالح الانفاق وثمراته العاجلة والآجلة والفرقة الثالثة لم تختر شيئا بل كان اختيارها ما اختاره الله لها وكذلك اختيار طول البقاء في الدنيا لاقامة دين الله وعبادته فطائفة اختارته وتمنته وطائفة أحبت الموت ولقاء الله والراحة من الدنيا وطائفة ثالثة لم تختر هذا ولا ذاك بل اختارت ما يختاره الله لها وكان اختيارهم معلقا بما يريده الله دون مراد معين منهم وهى حال الصديق رضى الله عنه فإنهم قالوا له في مرض موته ألا ندعو لك الطبيب فقال قد رآنى فقالوا فما قال لك قال قال لى انى فعال لما أريد والأولى حال موسى عليه السلام فإنه لما جاءه ملك الموت لطمه ففقأ عينه ولم يكن ذلك حبا منه للدنيا والعيش فيها ولكن لينفذ أوامر ربه ويقيم دينه ويجاهد أعداءه فكأنه قال لملك الموت أنت عبد مأمور وأنا عبد مأمور وأنا في تنفيذ أوامر ربى