رؤف رحيم فجعل التوبة أول أمرهم وآخره وقال في سورة أجل رسول الله التي هي آخر سورة أنزلت إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ما صلى صلاة بعد إذ أنزلت عليه هذه السورة إلا قال في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن فالتوبة هي نهاية كل سالك وكل ولي لله وهي الغاية التي يجري إليها العارفون بالله وعبوديته وما ينبغي له قال تعالى إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما فجعل سبحانه التوبة غاية كل مؤمن ومؤمنة
وكذلك الصبر فإنه لا ينفك عنه في مقام من المقامات
وإنما هذا الترتيب ترتيب المشروط المتوقف على شرطه المصاحب له
ومثال ذلك أن الرضا مترتب على الصبر لتوقف الرضا عليه واستحالة ثبوته بدونه فإذا قيل إن مقام الرضا أو حاله علىالخلاف بينهم هل هو مقام أو حال بعد مقام الصبر لا يعني به أنه يفارق الصبر وينتقل إلى الرضا وإنما يعني أنه لا يحصل له مقام الرضا حتى يتقدم له قبله مقام الصبر فافهم هذا الترتيب في مقامات العبودية
وإذا كان كذلك علمت أن القصد والعزم متقدم على سائر المنازل فلا وجه لتأخيره وعلمت بذلك أن المحاسبة متقدمة على التوبة بالرتبة أيضا فإنه إذا حاسب العبد نفسه خرج مما عليه وهي حقيقة التوبة وأن منزلة التوكل قبل منزلة الإنابة لأنه يتوكل في حصولها فالتوكل وسيلة والإنابة غاية وأن مقام التوحيد أولى المقامات أن يبدأ به كما أنه أول دعوة