الصفحة 76 من 90

فالخمر كما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه هي"أم الخبائث"، ولا شك في هذا، لما فيها من زوال للعقل، وإذا زال العقل حصلت القبائح بأسرها. فقد روي عن عثمان (رضي الله عنه) أنه قال:"اجتنبوا الخمر، فإنها أم الخبائث ... فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يُخرج أحدُهما صاحبَهُ" [1] .

ولا فرق عند العلماء بين القليل والكثير من المسكر؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم"ما أسكر كثيره فقليله حرام" [2] . فقد جاء في المبسوط للسرخسي الحنفي:"والأمة أجمعت على تحريمها، وكفى بالإجماع حجة، هذه حرمة قوية باتة، حتى يكفر مستحلها، ويفسق شاربها، ويجب الحد بشرب القليل والكثير منها .. فالقليل يدعو إلى الكثير، على ما قيل: ما من طعام وشراب إلا ولذته في الابتداء تزيد على اللذة في الانتهاء، إلاّ الخمر فإن اللذة لشاربها تزداد بالاستكثار منها؛ ولهذا يزداد حرصه على شربها إذا أصاب منها شيئًا فكان القليل منها داعيًا إلى الكثير منها، فيكون محرمًا كالكثير" [3] .

وجاء في المغني لابن قدامه الحنبلي:"إن كل مسكر حرام، قليله وكثيره وهو خمر" [4] . وقال الشيرازي الشافعي في المهذب:"كل شراب أسكر كثيره حرم قليله وكثيره" [5] . ويقول ابن حزم الظاهري في المحلى:"فالنقطة منه فما فوقها إلى أكثر المقادير خمر، حرام ملكه وبيعه وشربه واستعماله على أحد، وعصير العنب ونبيذ التين وشراب القمح والسيكران وعصير كل ما سواها ونقيعه وشرابه طبخ كل ذلك أو لم يطبخ ذهب أكثره أو أقله سواء في كل ما ذكرنا، ولا فرق" [6] . وقال ابن رشد المالكي:"أما الخمر فإنهم اتفقوا على تحريم قليلها وكثيرها" [7] .

(1) أخرجه النسائي في سننه، كتاب الأشربة، رقم الحديث 5666 ترقيم أبي غدة.

(2) أخرجه الترمذي في سننه، عن جابر بن عبد الله، كتاب الأشربة، رقم الحديث 1865 ترقيم أحمد شاكر. ورواه أبو داود في سننه، كتاب الأشربة باب النهي عن المسكر، ورجال إسناده ثقات، وحسنه الترمذي.

(3) السرخسي، محمد بن أبي سهل: المبسوط في الفقه، دار المعرفة، بيروت، 1406 هـ. الجزء 34، ص 3.

(4) ابن قدامة، عبد الله بن أحمد المقدسي: المغني في الفقه، دار الفكر، بيروت، ط 1، 1405 هـ، 9/ 136.

(5) الشيرازي، إبراهيم بن علي بن يوسف أبو إسحاق: المهذب في الفقه، دار الفكر، بيروت، 2/ 286.

(6) ابن حزم، علي بن أحمد: المحلى في الفقه، مرجع سابق، 7/ 478.

(7) ابن رشد، محمد بن أحمد القرطبي: بداية المجتهد، دار الفكر، بيروت، 1/ 345.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت