(فَاجْتَنِبُوهُ) . وقوله تعالى: (فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) استفهام تقريع وتوبيخ، فيه زجر بليغ، يؤكد التحريم، لهذا لما علم عمر رضي الله عنه أن هذا وعيد شديد زائدٌ على معنى"انتهوا"، نادى:"انتهينا يا ربنا" [1] ."وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا أن ينادي في سكك المدينة ألاَ إن الخمر قد حرمت، فكسرت الدنان، وأريقت الخمر، حتى جرت في سكك المدينة" [2] .
وأما السنة: فقول النبي صلى الله عليه وسلم:"كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام" [3] . وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر.
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على تحريمه، وقد حكي عن قدامة بن مظعون، وعمرو بن معد يكرب، وأبي جندل بن سهيل، أنهم قالوا: هي حلال لقول الله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [4] . فبين لهم علماء الصحابة معنى هذه الآية، وأقاموا عليهم الحد لشربهم إياها، فرجعوا إلى ذلك، فانعقد الإجماع، فمن استحلها الآن فقد كذّب النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد علم ضرورة من جهة النقل تحريمه [5] .
وأما المعقول: فقد كشف البحث الإنساني أن للخمر أضرارًا كثيرة، فقد أجمع الأطباء على أن للخمر كثيرًا من الآثار والأضرار الصحية في الكبد والمعدة وسائر الأجهزة؛ مما تؤدي إلى إصابة الإنسان بالعديد من الأمراض الفتاكة.
يقول الدكتور الهواري -بعد أن استعرض نتائج أبحاث العديد من علماء
(1) القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد: تفسير القرطبي، مرجع سابق، 15/ 82.
(2) القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد: تفسير القرطبي، مرجع سابق، 6/ 292.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عمر، كتاب الأشربة، رقم الحديث 2003 ترقيم عبد الباقي.
(4) المائدة: الآية 93.
(5) ابن قدامة، وعبد الله بن أحمد المقدسي: المغني في الفقه، دار الفكر، بيروت، ط 1، 1405 هـ، 9/ 136.