من غير كفار العرب [1] . قيل: هم اليهود وقيل فارس والروم .. وقيل كل من لا تعرف عداوته .. والأولى الوقف في تعيينهم لقوله: (لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ) [2] . وورد في تفسير المراغي عند شرحه لهذه الآية:"الإرهاب والترهيب: الإيقاع في الرهبة، وهي الخوف المقترن بالاضطراب" [3] .
ويزداد معنى الآية وضوحًا عند النظر إليها من خلال السياق، وفي ضوء الآية التي سبقتها، وذُكِر فيها الخوف من خيانة المعاهدين بسبب نقضهم العهود، قال تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ) [4] .
كما يزداد المعنى وضوحًا -أيضًا- وتأكيدًا، عند مواصلة القراءة إلى تمام الآية التي تليها، وهي قوله تعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ) [5] .
حيث يتجلى أن معنى (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ) هو من أجل منع العدوان والظلم، ولحماية أمة الإسلام التي أمرت بالتزام الحق والعدل وحرية التدين، وأمرت بتحصيل القوة؛ لتثبيت هذه المبادئ إزاء الناس كافة، ولأنّ الاستعداد المستمر والجاهزية للجهاد عند الاقتضاء يدفع الحرب، ويمنع وقوعها بسبب خوف من يعتزم نقض العهود والمواثيق، ويبيت الاعتداء، ويضمر الخيانة والغدر، وإرهابه إرهاب مشروع، ولا يتحقق له ذلك، ويحصل له الخوف والرهبة الزاجرة إلا متى علم بشدة المسلمين.
فالآية تأمر المسلمين بوجوب تحصيل القوة، وتوفير أسبابها ومقوماتها، بما يتناسب مع كل عصر ومصر، لتكون رادعًا وزاجرًا يرهب كل من تسول له نفسه مباغتتهم بالحرب، فيتضرر المسلمون، وتتعطل رسالة الإسلام الذي
(1) ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد: زاد المسير، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 3، 1404 هـ، 3/ 375.
(2) الشوكاني: فتح القدير، مرجع سابق، 2/ 321.
(3) المراغي، أحمد المصطفى. تفسير المراغي، مرجع سابق، ص 22.
(4) الأنفال: الآية 58.
(5) الأنفال: الآية 61.