وجه الاستدلال: الآية بعمومها لا تفرق بين كون المال المسروق من المال الخاص, أو المال العام, وهي قطع يد السارق, والشبهة هنا ضعيفة, فلا تسقط الحد عن السارق.
ثانيًا: من المعقول
إن بيت المال هو لعموم المسلمين, ولا يستحق شخصًا بعينه شيئًا فيه, فيتعين حق السارق في بيت المال في حالة العطية, أو التقسيم, وقبل ذلك فليس له حق معين؛ لأن الإمام من الممكن أن يدفع المال كله في مصلحة عامة, ولا يقسم, أو يعطي أحدا, وقد يعطي قومًا ويمنع منه آخرين, ويكون السارق من القوم الذين منعوا, فلا يثبت له حق في بيت المال, فتنتفي الشبهة المسقطة للحد؛ لأنها شبهة ضعيفة [1] .
أدلة المذهب الثالث:
استدل الشافعية والحنابلة على تفصيلهم بما استدل به الحنفية, وكان تفصيلهم على النحو التالي فقالوا [2] :
أ إن كان السارق ضمن الطائفة التي فرز لها المال وسرق بعد الفرز, فلا قطع عليه؛ لان له حق في هذا المال وشبهة الحق أسقطت عنه القطع.
ب إن لم يكن السارق ضمن الطائفة التي فرز لها المال وسرق بعد الفرز, فعليه القطع؛ لعدم وجود الحق له في هذا المال.
سبب الخلاف:
اعتبار عموم آية قطع السارق وعدم اعتباره, فمن رأى أن الآية عامة قال بقطع يد السارق سواء كانت السرقة من المال العام, أو المال الخاص, ومن لم يعتبر العموم, قال بأن الآية مخصوصة بالاعتداء على المال الخاص, وباعتبار شبهة ملكية الجميع للمال العام.
الراجح:
بالنظر في مذاهب الفقهاء وأدلتهم يظهر أن الراجح ما ذهب إليه الحنفية القائل بعدم قطع يد السارق من المال العام, وذلك للسببين التاليين:
1 -لقوة أدلتهم, ولكن القول بعدم قطع يده لا يعني عدم عقابه على هذا الفعل؛ بل إن القاضي يختار له من العقوبات التعزيرية ما يناسبه, وذلك لما ثبت من تحريم الاعتداء على المال الخاص.
2 -إن المال العام في الغالب لا يكون محرزًا.
(1) 1 - انظر؛ الدردير: الشرح الكبير, 4/ 337, والمغربي: مواهب الجليل, 6/ 307, وابن حزم: المحلى, 11/ 329.
(2) 2 - انظر؛ الخطيب الشربيني: مغني المحتاج, 5/ 473, والمر داوي: الإنصاف, 10/ 279.