أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ امتحان العمال واختبارهم, قبل أن تعرفه القوانين الوضعية الحديثة, فلا يشغل المسلم الوظيفة قبل أن تثبت صلاحيته بالاختبار.
لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أراد أن يبعث معاذ بن جبل رضي الله عنه قاضيًا إلى اليمن , قال له صلى الله عليه وسلم:"يا معاذ كيف تقضي إذا عرض لك قضاء", قال: اقضي بكتاب الله, قال له:"فإن لم تجد في كتاب الله", قال: فبسنة رسول الله, قال:"فإن لم تجد في سنة رسول الله, ولا في كتاب الله", قال اجتهد رأيي ولا آلو. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال:"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله" [1] .
وجه الاستدلال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد امتحن معاذ بن جبل قبل أن يبعثه قاضيًا على اليمن ليتعرف على مدى قدرته على القضاء بين الناس, ومعرفته مصدر الأحكام, وكان الامتحان عبارة عن سؤل النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ عن وسيلته في القضاء؛ حيث قال له: (بما تقضي يا معاذ إن عرض عليك قضاء) , فهذا الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على مشروعية امتحان من يتقلد الوظيفة ما.
ثالثًا: من الأثر:
1 -وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الأسس الصحيحة لمعرفة الرجال, وإظهار معدنهم, فقد طلب من رجل إحضار شاهد يشهد معه في قضية عرضت عليه, ولما جاء به إلى عمر, امتحنه عمر رضي الله عنه, فسأله: أتعرف هذا الرجل؟ قال: نعم, قال: هل أنت جاره الذي يعلم مدخله ومخرجه؟ قال: لا, قال: هل صاحبته في السفر الذي تعرف به مكارم الأخلاق؟ قال: لا, قال: هل عاملته بالدراهم والدنانير الذي يعرف به ورع الرجال؟ فأجاب: لا, فصاح به عمر: لعلك رأيته قائما قاعدًا يصلي في المسجد, يرفع رأسه تارة ويخفض أخرى؟ فرد الرجل نعم, فقال عمر: اذهب فإنك لا تعرفه, والتفت إلى الرجل وقال له: ائتني بمن يعرفك [2] .
وجه الاستدلال: الأثر, يظهر إن عمر رضي الله عنه امتحن الرجل في معرفة من جاء يزكيه و جعل مجرد الرؤية في المسجد غير كافية لمعرفة صلاحية الرجال, ولكن يجب أن يكون بينهم معاملة في سفر, أو مجاورة, أو معاملة بالدراهم والدنانير.
(1) 1 - انظر؛ أبا داود: سنن أبي داود, ص 544,كتاب الأقضية, باب اجتهاد الرأي في القضاء, ح 3592, واحمد بن حنبل: مسند الإمام احمد, 5/ 230, ح 22060, وضعفه الألباني في المشكاة, انظر؛ التبريزي: مشكاة المصابيح, 2/ 350, ح 3737.
(2) 2 - انظر؛ علي, وناجي الطنطاوي: أخبار عمر, ص,211,212.