ويستحيل في مستقر العادة توافق الأمم في أعصار متكررة على التسليم بما لم تقم الحجة بصحته مع اختلاف الطباع وتفاوت الهمم والمذاهب في الرد والقبول.
ولذلك لم ينفك حكم ثبت بأخبار الآحاد عن خلاف مخالف وإبداء تردد فيه.
الوجه الثاني: إن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا أنها أصلًا مقطوعًا به وهو الإجماع الذي يحكم به على كتاب الله تعالى، وعلى السنة المتواترة، ويستحيل في العادة التسليم بخبر يرفع به الكتاب المقطوع به إلا إذا استند إلى مستند مقطوع به، فأما رفع المقطوع بما ليس بمقطوع فليس معلوما حتى لا يتعجب متعجب ولا يقول قائل: كيف ترفعون الكتاب القاطع بإجماع مستند إلى خبر غير معلوم الصحة، وكيف تذهل عنه جميع الأمة إلى زمان النظام، فتختص بالتنبه له [1] .
والذي قرره الغزالي من الاستدلال بالأحاديث المذكورة على عصمة الأمة من الخطأ، هو استدلال بالتواتر المعنوي في هذه الأحاديث وإن لم تتواتر آحادها.
فإن قيل: لو كانت هذه الأحاديث تقتضي التواتر لما وقع الخلاف.
قلنا التواتر لا يوجب أن يكون الكل عالمين به، ألا ترى أن أكثر العوام لا يعلمون غزوة بدر أصلا بل التواتر إنما يكون متواترا عند من وصل إليه أخبار تلك الجماعة، وذلك بمطالعة الوقائع والأخبار، والمخالفون لم يطالعوا.
وأيضا الحق إن مخالفتهم كمخالفة السوفسطائية في القضايا الضرورية الأولية، فكما أن مخالفتهم لا تضر كونها أولية، فكذا مخالفة المخالفين لا تضر التواتر، وأما إيراد الأسئلة والأجوبة فعلى
(1) الإحكام للآمدي 1/ 220 المستصفى 1/ 175.