فمن ذلك ما نحن فيه -هذه المسألة جميلة-: إن الله عز وجل قرر أحكاما لمن يقتل -انتبهوا- خطأ من المؤمنين إذا كان أهله وأولياؤه كفرة .. {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا} انتبهوا .. السياق على ماذا يدل؟ العلماء ذكروا له وجهين في التفسير، ولكن السياق يقوي أحدهما، وهو مُقَر ومعترف به من قبل الذين فسروه على وجه آخر .. انظر إلى قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ} .. {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ .. } لأنهم أعداء لا يعطون الدية، ولا يورث مسلم من كافر ولا كافر من مسلم، والدية لا تعطى لإعانة الكفرة علينا وخاصة المحاربين كما في الآية .. فرقت بين المحاربين والمعاهدين.
ولكن السؤال هنا: كيف يقتل هذا المؤمن؟ قد يقتل لأنه مهاجر، يعني: قتله مسلم وهو مهاجر، وأولياؤه ما زالوا في ديار الكفر كفارا .. هذا يمكن أن ينطبق عليه {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} يمكن أن يقتل هذا المؤمن في ديار المسلمين. هذا وجه .. ويُعمل به في الحكم؛ ولكن السياق حديث عن من لم يهاجر .. ذكرت السورة: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم} ثم قال: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} أعطى للمنافقين .. وسماهم منافقين .. في النهاية: المنافق من المتفق عليه أن أحكامه العليا أنه يحكم عليه بالإسلام .. طيب .. هؤلاء لم يهاجروا!! فأعطاهم الشارع حكما، ثم أعطى قسما آخر من المنافقين حكمًا آخر لعوامل أخرى {يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا} الفتنة هنا: القتال {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ} حصل قتال انقلبوا إلى الكفار، وعند عدم القتال كالشاة تيعر: بين هؤلاء مرة وببن هؤلاء مرة، كما في الحديث الصحيح عن المنافقين.
إذا: السياق يدل على ماذا؟ السياق يدل على وجود قوم من المسلمين لهم يهاجروا، فيُقتلوا في الحرب .. فإذا هذا هو.
وهذه الآية هي أصل قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا بريء ممن أقام بين أظهر المشركين» أنا بريء ماذا؟ الآية تفسرها، والحديث يفسر الآية من قوله: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} قتل خطأ فتحرير رقبة .. هذا حق الله .. كفارة، وأما حق العبيد فـ «أنا بريء» .. فسرها بقوله: «أنا بريء» لا نعطي الدية .. لا يطالب أولياؤه بالدية وإن كان مسلمًا .. لا نعطيهم الدية.