عندما يكون الفعل نازلًا عن حد الكفر الكفر ينظر للقلبي .. ينظر للاعتقاد .. كمن شرب الخمر .. شرب الخمر كبيرة، فكيف يكفر المرء؟ ننظر إلى قلبه: استحلها أم لم يستحلها؟ ويكفر بالاستحلال لا بالشرب .. حين تنزل مرتبته عن مرتبة الكفر ينظر للأمر القلبي، أما إذا كان الأمر مكفرا فالشارع حكم عليه بالكفر ظاهرًا وباطنًا .. ظاهرًا وباطنًا لمجرد إتيان ذلك، كما ذكرنا في الساب ..
فإذا: هنا النبي سأله عن مقصده: «لماذا فعلت هذا يا حاطب؟» سأله فأجاب .. فدل على أن هذا من مرتبة الولاء غير المكفر .. سأل عن القلب، ولو كان تبين له من أحواله .. من ظروفه، أو من أجوبته الصريحة، أو من شهد عليه أنه فعل هذا من أجل أن ينتصر الكفار، لكان ولاءً مكفرًا ..
وأنا يعجبني -في هذا الباب- من جعل مرتبة الجاسوسية بحسب حال الرجل .. هناك من جعل للجاسوسية حكم القتل حدًا، وهناك من جعل للجاسوسية حكم القتل على الردة، وهناك من جعل لها تعزيرا بحسب مرتبته؛ وأنا مع هذا القول .. فقد يكون الجاسوس مسلمًا فعلها كما فعلها حاطب رضي اللع تعالى عنه، فيعزر بحسب ما اقترف من الإثم والغلط، وقد يُقتل تعزيرًا إذا كان قد أدى إلى مصيبة عظيمة ولو لم يردها .. وهناك من يقتل -وهو جاسوس مسلم- على الحد إذا كان فعله قد أوقعه في حد، كما هو شأن السحر في قول الشافعي -على مذهب الإمام الشافعي: أن ليس كل سحر يقتل به صاحبه .. «اقتلوا كل ساحر» أرسل النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسل الفاروق:"اقتلوا كل ساحر وساحرة".. والحديث المختلف في وقفه: «حد الساحر ضربة بالسيف» ؛ فقال الشافعي: انظروا إلى مقدار ما اقترف وإلى ضرر سحره، فإذا أدى إلى القتل يقتل - فهذا يقتل حدا .. وهناك من يقتل ردة، إذا ثبت أن جاسوسيته مبناها على ردة، وأدت إلى أن يكون جاسوسًا على معنى أنه جزء من الجيش، فهذا يقتل على الردة، كما قال الله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ} كفروا وهم باستطاعتهم الخروج، فأدى هذا الاستضعاف المزور إلى أن يكونوا كفارًا ويقاتلون مع الكفار، فهؤلاء كفار.
فهذا أمر الجاسوس المسلم فيما يتسع له المقام والحال ..
وجزاكم الله خيرًا، والحمد لله رب العالمين.