قيل: شافعي، وهذا قيل: حنبلي .. فتجد هذا الإنصاف .. الكمال بن الهُمام كذلك تجده ينصف في هذا الباب في مذهب الأحناف، وكذلك تجد شيئًا عند الإمام الطحاوي رحمه الله .. يقف في مسائل .. يتحدث عن الإسفار والتغليس .. فتجد العلماء الذين هم من أهل الاجتهاد والنظر في المذاهب، لا يدعون إلى هذا التسليم لكل ما في كتب المذهب ومتونه ..
فأنا الذي أدعو إليه هو: أن يبدأ المرء العلم بالتمذهب على متنٍ، أو يقرأ هذا المتن على شيخ منصف، وثم المرتبة الثانية هي: مرتبة البحث .. هي مرتبة بداية المجتهد كما سماها ابن رشد"بداية المجتهد ونهاية المقتصد".. أن يعرف من أين أخذ المذهب هذا القول، وأن يتمرن على هذا؛ وكتاب بداية المجتهد رائع في هذا، مع شرح ابن دقيق العيد في كتابه الإحكام، ابن دقيق العيد إمام في هذا .. يُعَلِّم طالب العلم كيف يمزج الأصول بالفقه، لأنه -في الحقيقة- هناك بين الأصول وكتب الأصول وبين الفقه، وهذا له أسباب -للأسف- منها ما قاله الإمام الغزالي في المستصفى: أنه يجب أن تُجرد الأصول عن المسائل الفقهية؛ وزعم -لما ذكرت هذا في شرح الموافقات- بعضهم: أن الإمام الغزالي قال هذا بسبب أنه لا يريد أن يستخدم الأصول لنصرة الفقه!! هذا لا يقوله الغزالي .. هذا كذب على الغزالي .. ولو رجع إلى المستصفى -وهو في بداية الكتاب- لوجد أن هذا ليس مقصد الغزالي .. الغزالي يريد أن يجعل الأصول تجريدية عقلية، بخلاف نقده لمن قبله -وهو أبو زيد الدبوسي عندما مزج- كان هو يتعقب أبو زيد الدبوسي الحنفي في كتابه المستصفى .. القصد: أنه زعم أن الغزالي أراد تجريد الأصول عن الفقه، حتى لا يستخدم الأصول في نصرة المذهب! هذا لم يقله الغزالي .. ارجعوا إلى النص .. وهذا من الافتراء على الغزالي .. وأحدهم لأنه جاء من أجل الرد علي .. هكذا هي النية، سواء أصبت أم أخطأت، فقالها من عنده ولم يكلف نفسه أن يعود إلى المستصفى ليقرأ: نقلي صحيح، أم نقلي مفترى .. نقلي خطأ؟
القصد من هذا: فهذه مرحلة وسطية، ثم يأتي إلى الكتب العلمية التي تجمع المذاهب وتبين الدليل، ويتناغم معها حتى يصبح له قول مستقل إذا نما علمه وصار مجتهدًا باحثًا قادرًا على النظر في الأدلة ..