العصور بمختلف مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها الأمة الإسلامية خلال الأربعة عشر قرنًا الماضية، فنظام الوقف مصدر مهم لحيوية المجتمع وفاعليته وتجسيد حي لقيم التكافل الاجتماعي وترسيخ لمفهوم الصدقة الجارية برفدها الحياة الاجتماعية بمنافع مستمرة ومتجددة تتنقل من جيل إلى آخر حاملة مضموناتها العميقة في إطار عملي يجسده وعي الفرد بمسئوليته الاجتماعية ويزيد إحساسه بقضايا إخوانه المسلمين ويجعله في حركة تفاعلية مستمرة مع همومهم الجزئية والكلية.
رابعًا: ينظر كثير من الباحثين إلى نظام الوقف وتبني أفراد الأمة المسلمة له باعتباره أحد الأسس المهمة للنهضة الإسلامية الشاملة بأبعادها المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية، وأن هذا النظام كان وراء بروز الحضارة الإسلامية وليست الدول الإسلامية المتعاقبة والخزائن السلطانية [1] . ويرى (يحيى جنيد) أن الوقف هو بؤرة النهضة العلمية والفكرية العربية والإسلامية على مدار القرون [2] . لذا فقد اتجهت الأنظار مرة أخرى إلى الوقف بعد تغييب دوره العظيم لعقود طويلة باعتباره البذرة الصحيحة لبداية النهضة الشاملة لجميع مجالات الحياة في الأمة المسلمة، ولعل من المبشرات في ذلك أن الندوات عن الوقف أخذت تترى على امتداد العالم الإسلامي، فما أن تختم ندوة إلا وتبدأ ندوة أخرى، وبين الندوتين تتناقل الأخبار إجراء دراسة علمية أو
(1) (( محمد عمارة، دور الوقف في النمو الاجتماعي وتلبية حاجات الأمة، ضمن أبحاث ندوة:(نحو دور تنموي للوقف) ، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت، ص 158.
(2) يحيى محمود جنيد، الوقف وبنية المكتبة العربية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، 1408 هـ، ص 9.