دعوتنا، ونجاهد فيها ونجاهر بها، ثم نصاولكم عليها في الانتخاب، ونحتكم فيها إلى الأمة، ولئن فشلنا مرة فسنفوز مرارًا، بل سنجعل من إخفاقنا، إن أخفقنا في أول أمرنا، مقدمة لنجاحنا، بما سيحفز من الهمم، ويوقظ من العزم، وبأنه سيكون مبصرًا لنا مواقع خطونا، ومواضع خطئنا، وبأن عملنا سيكون خالصًا لله وفي سبيل الله، فإذا وثقت الأمة بنا، ورضيت عن دعوتنا، واختارت أن تحكم بشريعتها، طاعة لربها، وأرسلت منا نوابها إلى البرلمان، فسيكون سبيلنا وإياكم أن نرضى وأن ترضوا بما يقضي به الدستور، فتلقوا إلينا مقاليد الحكم، كما تفعل كل الأحزاب، إذا فاز أحدها في الانتخاب، ثم نفي لقومنا إن شاء الله بما وعدنا، من جعل القوانين كلها مستمدة من الكتاب والسنة .." [55] ."
فأنت ترى عمق الفقه المنهجي الذي تحلى به هؤلاء العلماء عند تنزيل الأحكام، ويظهر جليًا منهج الاعتبار، حيث يعتبر العلماء النظائر واللوازم والنقائض عند بحث المسائل وتأصيلها وتنزيلها، فكما هو ظاهر أن النظر الأول يفضي إلى المنع من المشاركة في العملية السياسية؛ إلا أن النظر الثاني والعبور إلى النصوص المماثلة والمقاربة ولوازمها ونقائضها واعتبار المصالح والمقاصد الكلية، كلها تأخذ بالاعتبار الحكم بالجواز بل قد تصل بالأمر إلى القول بالإيجاب عندما تكون هذه الوسيلة هي المتاحة دون غيرها لتحقيق مقاصد الدعوة الإسلامية، وفي اعتبار هذا المنهج يقول الشاطبي:"فالحاصل أنه لا بد من اعتبار خصوص الجزئيات مع اعتبار كلياتها وبالعكس، وهو منتهى المجتهدين بإطلاق، وإليه ينتهي طلقهم في مرامي الاجتهاد" [56] ، ويقول كذلك في إثبات أهمية الاعتبار بالأدلة الكلية ومقاصدها وجمع الأشباه والنظائر استدلالًا على القواعد المقاصدية الثلاث:"يصعب الطريق إلى إثبات كون هذه القواعد معتبرة شرعًا بالدليل الشرعي القطعي، وإنما الدليل على المسألة ثابت على وجه آخر هو روح المسألة .. ودليل ذلك استقراء الشريعة، والنظر في أدلتها الكلية والجزئية، وما انطوت عليه من هذه الأمور العامة على حد الاستقراء المعنوي، الذي لا يثبت بدليل خاص، بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض، مختلفة الأغراض، بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه تلك الأدلة .. فلم يعتمد الناس في إثبات قصد الشارع في هذه القواعد على دليل مخصوص، ولا على وجه مخصوص، بل حصل لهم ذلك من الظواهر والعمومات، والمطلقات والمقيدات، والجزئيات الخاصة، في أعيان مختلفة، ووقائع مختلفة، في كل باب من أبواب الفقه، وكل نوع من أنواعه، حتى ألفوا أدلة الشريعة كلها دائرة على الحفظ على تلك القواعد، هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من قرائن أحوال منقولة وغير منقولة" [57] ، فهذه منهجية المحققين من أهل العلم في الاستدلال والاستنباط واستخراج الأحكام من قواعد الشريعة وكلياتها وجزئياتها في إطار الاعتبار بها بالربط ما بين النظائر واللوازم والنقائض في كل باب من أبواب الشريعة.
يمكن القول إن التعددية السياسية لها تعلق بقاعدة من قواعد المرجعية، وهي قاعدة الاختيار واللاإكراه، فالأصل الذي وضعته الشريعة أن الإنسان يمتلك الاختيار في تدينه وتحديد فكره ومنهجه، قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [58] ، لكن هل هذا الأصل ينسحب على القول بجواز التعددية السياسية في الدولة الإسلامية؟ والسؤال هنا يتضمن قيدين للبحث، ينبغي اعتبارهما عند النظر في أصل المسألة، إذ تم تقييد القضية في إطار الدولة الإسلامية [59] ، وحيث كانت الدولة تستند على الشريعة كأصل وأساس للتشريع والسيادة، فإن على رعايا الدولة أن يكونوا خاضعين لمقتضى الشريعة، وبهذا الاعتبار تدخل قضية التعددية السياسية في الحكم الشرعي جوازًا ومنعًا، ومن المهم تصور المفهوم قبل الخوض في تفاصيله الحكمية، فالتعددية السياسية معناها قيام أحزاب سياسية تهدف إلى الوصول إلى الحكم وتسيير أمور الناس وإدارة شئونهم وشئون الدولة بعامة حسب تصور الحزب الحاكم واعتقاده، فإذا وصل حزب سياسي للحكم هيمن على شئون الدولة وساس الناس ببرامجه وسياسته التي كان يبشر بها ويعد الناس بتطبيقها، وأصبحت بقية الأحزاب معارضة لحكم الحزب الحاكم تناقش سياسته وتراقبه وتحاسبه وتعمل لأن تقنع الرعية بصواب برامجها وصحة سياستها وأهليتها للحكم [60] ، وماهية هذه الأحزاب لا تخرج عن إطارين: الأول أن تكون