حوار بين الخالق سبحانه والملائكة الكرام حول قضية الاستخلاف القرآني وقد أظهرت هذه القضية أن للإنسان غاية في الحياة هي تحقيق الخلافة في الأرض، وبهذا أضحت مهمته واضحة جلية وارتبط بها التكليف وعليه يحاسب يوم القيامة، ويظهر فيها أثر الارتباط بينها وبين قضية التوحيد، فالاستخلاف في حقيقته يصب في التوحيد ويعد جزءًا من مفاصله ومضامينه، وهو من جهة أخرى يعد من أفراد مفهوم السياسة الشرعية؛ لكونه انعكاسًا لقاعدة الإصلاح، ويشكل في الوقت ذاته دليلًا على أحقية المسلم للحضور بعد الوجود.
وهو يمثل المهمة التي أوكلت للإنسان بعهد الاستخلاف، وهو الغاية التي سخر الله الكون كله للإنسان من أجل تحقيقها، قال تعالى: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [14] ، وبذلك تتحقق مضامين العهد، ولا شك أن الإنسان يستمد من سنن الكون وقوانينه ما تقوم به الأدلة على إثبات وجود الخالق، وبتدبر هذه السنن يتم استنباط ما يتناسب مع الفطرة التي فطر الله الخلق عليها، فنبني عليها ما يجعلنا قادرين على الاستجابة لنداء الفطرة التي فطرنا الله عليها، والاستماع إلى نداءات ودعوات المرسلين، فيتظافر القرآن المجيد والسنة النبوية والفطرة الانسانية لتحقيق الهداية والتزكية، وبناء العمران الذي هو انعكاس للهداية وروح العبادة على الكون المسخر، وبذلك يتحول الإنسان إلى قائد لمسيرة التسبيح التي يمارسها كل شيء في الكون بالتوجيه التلقائي، ما عدا الإنسان الذي يمارس ذلك بحريته واختياره، وبهذا التأصيل يعمر الإنسان الأرض بالإيمان والعمل الصالح وبكل ما يترتب عليه صلاح الأرض بعد إصلاحها من قبل الباري سبحانه، وانظر في سياق الآية كيف يظهر الارتباط بين قضية التوحيد وقضية إعمار الأرض، حيث تلتقي قواعد السياسة الشرعية في حراسة الدين وسياسة الدنيا به.
رابعًا: قاعدة التزكية:
وهي من القيم القرآنية العليا، وقد جعلها الله وظيفة أساسية من وظائف الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فهي بهذا الاعتبار تعد قسيمة للتلاوة وتعليم الكتاب والحكمة، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [15] ، والملفت للنظر عند البحث في السياق الموضوعي لمفهوم التزكية يدرك أنه يتجاوز قضية التحلي بالآداب والسلوكيات المعروفة والمتداولة، وهي داخلة بلا شك في مفهوم التزكية المسوقة في النصوص ومرادة في دلالاتها، إلا أنها أعم من هذا الوجه الذي شاع عند الكثير، ويتوافق ما ذهب إليه الباحث مع ما قصده الراغب في ذريعته إذ يقول:"والفعل المختص بالإنسان ثلاثة أشياء:"
• عمارة الأرض في قوله تعالى: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [16] ، وذلك تحصيل ما به تزجية المعاش لنفسه ولغيره.
• وعبادته المذكورة في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [17] ، وذلك هو الامتثال للباري عز وجل في أوامره ونواهيه.
• وخلافته المذكورة في قوله تعالى: {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [18] ، وغيرها من الآيات؛ وذلك هو الاقتداء بالباري سبحانه على قدر طاقة البشر في السياسة باستعمال مكارم الشريعة. ومكارم الشريعة هي الحكمة، والقيام بالعدالة بين الناس، والحلم، والإحسان، والفضل، والقصد منها أن تبلغ إلى جنة المأوى، وجوار رب العزة تعالى. وكل ما أوجد لفعل ما فشرفه بتمام وجود ذلك الفعل منه، ودناءته بفقدان ذلك الفعل منه" [19] ."