الصفحة 3 من 21

المسلمين الغابرة، وما سوى ذلك متروك للمجتمع المسلم ترتيبه وتنظيمه وفقًا للمصالح الزمنية التي يقتضيها واقعه في كل مرحلة، وإزاء ذلك، فإن ما يدور في الساحة الفكرية حول قضايا متعلقة بالسياسة الشرعية من أمثال: قضية وقتية الحكم، والتدوال السلمي للسلطة، ومبدأ الفصل بين السلطات، والتعددية السياسية، لا بد من ضبطه في إطار المنهجية التي تم تقريرها حيث الدوران بين القواعد الشرعية الضابطة والنظر المصلحي الزمني المتوافق معها.

ويمكننا قبل النظر في مدى شرعية هذه القضايا الوقوف على القواعد الشرعية الضابطة من خلال تتبع مضانها في النصوص الشرعية المطلقة كتابًا وسنة، مع التنبيه على أن مفهوم السياسة الشرعية لا يتعلق بعدد معين من النصوص بل إن المنهجية المعرفية التي يقوم عليها الخطاب الإلهي بكل تفاصيله تعد مرجعًا للمفهوم؛ بحكم كونه قائمًا على قاعدة المصالح المقتضية للتغيير وفقًا لكليات الشريعة ومقاصدها، وبهذا يزال الإشكال حول بعض الاستدراكات والتساؤلات الهامشية التي تثار حول مدى التنصيص على مفهوم السياسة ووجوده في مضامين ومفاصل النصوص الشرعية، وفيما يأتي جملة من القواعد الضابطة للمفهوم الموصوفة بالإطلاق التي يدور معها كل ما يتعلق بالفعل السياسي الإسلامي ومواقفه التفصيلية الخاضعة لبعدي الزمان والمكان:

أولًا: قاعدة التوحيد:

وهذه القاعدة تمثل القيمة المقاصدية الأعلى والأغلى في المنهج الإلهي، وكل مشروع سياسي لا بد أن يكون مستحضرًا لهذه القاعدة، وإلا كان خارجًا عن دائرة الهداية الإلهية، ولا يحتاج المرء إلى كبير عناء للاستدلال لهذه القاعدة، إذ دل عليها الكثير من آي القرآن ونصوص السنة النبوية، والقارئ للقرآن في سياق ترتيبه الذي انتهى إليه بتوقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك سياق ترتيبه التنزيلي، يجد هذه القاعدة ظاهرة في التنصيص، ويكيفنا دليلًا وإشارة قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [11] ، فهذه الآيات التي تعد أول القرآن نزولًا بالاتفاق قد قررت التوحيد، وبينت معالمه، ومفاصله، ودلائله؛ لتكون جديرة بأولوية التنزيل، ولتكون منطلقًا لغيرها من الآيات المماثلة والمقاربة من حيث سياقها الموضوعي، ومن المعلوم عند أهل النظر في القرآن أن غالب الآيات المكية قد دار مع قاعدة التوحيد وأخذت حيزًا كبيرًا من دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الحديث عن الأحكام وما يرتبط بها من قواعد عملية؛ كل ذلك ليدلل على أهمية هذا المقصد الكلي وضرورة استحضاره في دعوات التغيير المجتمعي، ويأتي التساؤل في هذا السياق حول مدى ارتباط مفهوم السياسة الشرعية والفعل السياسي الإسلامي وما يتعلق به من مشاريع بهذه القاعدة المقاصدية العليا؟ والحقيقة لا إشكال في إظهار وجه الارتباط، إذ أن مفهوم السياسة الشرعية دائرة مع قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، حيث تقرر عند المتخصصين أن السياسة الشرعية هي القيام على الأمر بما يصلحه شرعًا، وقاعدة التوحيد تمثل الإصلاح بكل معالمه ومضامينه، والمتصفح للقرآن يدرك ذلك جليًا، حيث التأكيد على دفع ورفع كل ما يناقض هذه القاعدة وينافيها من مظاهر الشرك, والكفر, والإلحاد, والانحراف، وعليه فإن على كل المشاريع السياسية أن تكون منطلقة من هذه القاعدة ولتجعلها أصلًا في منهجها ودعوتها.

ثانيًا: قاعدة الاستخلاف:

تقوم قضية الاستخلاف على محاولة تحديد العلاقة بين المستخلِف (الله - سبحانه وتعالى -) والمستخلَف (الإنسان) والمستخلَف فيه (الكون) [12] ، وهذه العلاقة تحددها بدقة آيات الاستخلاف، فيقول سبحانه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [13] ، فالآية في سياق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت