الصفحة 2 من 21

فنقول:

قد نبهنا في سياق مقدمتنا إلى أن غالب السياسة يدور مع دليل المصالح المرسلة، والعلة في ذلك أن مضامينها ومفاصلها دائرة مع الاجتهاد المبني على قاعدة المصالح مع مراعاة التغاير في الأزمنة والأمكنة والأحوال، ودورانها مع المصالح المرسلة يعني أنه لا توجد نصوص مفصلة صريحة في ضبط المفهوم وتفصيلاته الجزئية، وهذا يتيح بطبيعة الحال مساحة عريضة لأهل النظر والاجتهاد في التعامل مع الوقائع المستجدة ومتطلبات المراحل الزمنية التي يمر بها المسلمون سواء في إطار نظامهم الداخلي أو في إطار علاقاتهم الخارجية.

وقد نبه المحققون من أهل العلم على هذا الأصل عند خوضهم في مفهوم السياسة، فيقول ابن القيم في طرقه الحكمية:"قال ابن عقيل في الفنون: جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية: أنه هو الحزم. ولا يخلو من القول به إمام. فقال شافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع. فقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحي. فإن أردت بقولك: إلا ما وافق الشرع. أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح. وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط، وتغليط للصحابة. فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن. ولو لم يكن إلا تحريق عثمان المصاحف، فإنه كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة" [8] ، فهذا النقل مظهر للمنهجية التي اتبعها الأصحاب في تبني مواقفهم السياسية، حيث نظروا إلى القواعد الضابطة لأي موقف يتخذه المسلمون عند إدارتهم لنظام الدولة الإسلامية، وهذه الحقيقة تشير إلى أن تفاصيل المواقف السياسية للدولة الإسلامية بكل ما تشمله هذه العبارة من معان تركت أصلًا لكي يختار فيها المسلمون ما يوائم العصور والظروف المختلفة، فليس في أي من مسائل هذه التفاصيل نص ملزم يجب على المسلمين اتباعه مهما اختلفت الظروف وتباعدت الأزمان [9] ، ومقصودنا بالنص هنا النص الفقهي الذي عبر عنه الفقيه والمجتهد باعتبارات عصره وزمنه من خلال النظر إلى الخطاب الشرعي وقواعده الكلية ومقاصده الشرعية العامة، فما قدمه الفقيه لا يعدو كونه انعكاسًا للواقع الذي عايشه وإن جعل مرجعه قواعد الشريعة وكلياتها، والناظر في مفهوم السياسة الشرعية حين يقصد تأصيله لمقتضيات واقعه لا بد من أن ينطلق من مرجعية مطلقة تتجاوز حدود الزمان والمكان يستخرج مكنونها بما يتناسب وقواعد التنزيل دون أن يتجاوز أو يتجاهل ما قدمه علماء الأمة من تراث سياسي إسلامي، وإنما شأنه معه النظر في الصالح من مضامينه وصلاحيته للواقع المعاصر، بهذا تكتمل المنهجية في السياسة الشرعية من حيث مرجعيتها، ومن مظاهر الخلل الجمود على المنقولات وتوارد الأقوال دون ربطها بمرجعيتها المطلقة.

وقد أفضى ذلك إلى نوع من الفصام في الخطاب الإسلامي المعاصر، فتنظيرهم في واد والواقع في واد آخر، وقد نبه علماؤنا إلى هذا الخلل المنهجي الذي تلبست به كثير من أجيال المسلمين المعاصرة، وفي هذا يقول القرافي:"الجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهل بمقاصد المسلمين والسلف الماضين" [10] ، وإذا كان الحديث عن المنقولات بهذه الحيثية حيث لا إلزام في تبني مضامينها، فمن باب أولى الحديث عن الفعل السياسي التاريخي والمواقف السياسية التي اتخذها المسلمون في عهودهم المختلفة، فإنها كانت انعكاسًا لمصالح الأمة المتناسبة والمتوافقة مع أبعادها الزمانية والتاريخية، إلا أنه لا يغيب عن الذهن عند قراءة مضامين الفعل السياسي التاريخي وما ارتبط به من مواقف النظرُ في البعد المنهجي الذي استند عليه ذلكم الفعل، وعليه فإن على الفقيه السياسي المعاصر أن يأخذ بنظر الاعتبار البعد المنهجي لهذا الفعل وليس تقمص مضامينه؛ لأننا في إطار منهجية الاتباع وليس منهجية التقليد والمحاكاة.

ويلزم الباحثَ في هذا السياق التفريق بين القواعد الضابطة للسياسة الشرعية وبين ما ترك للأمة النظر فيه بما يتناسب ومتطلبات كل مرحلة من مراحلها الزمنية، فالقواعد الضابطة تؤخذ من محضنها الشرعي حيث الخطاب القرآني والبيان النبوي والاستئناس بالنماذج التاريخية في عهود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت