الصفحة 1 من 21

السياسة الشرعية .. الإطار المرجعي ومتغيرات الواقع المعاصر

الدكتور/فارس الغزاوي

تعد السياسة الشرعية مجالًا رحبًا للجمع بين التأصيل العلمي والقراءات التنزيلية في الواقع المشهود، ويظهر ذلك جليًا في كثير من المساهمات التي قدمها علماء الإسلام في هذا الإطار، حيث تبرز قضية التأصيل للوقائع والحوادث المستجدة، ويقل النظير والمماثل من السوابق والمقدمات التنظيرية والتاريخية، وهذا ليس غريبًا باعتبار أن السياسة الشرعية تدور في غالب مضامينها مع دلائل الاجتهاد، وتكون ألصق بالمصالح المرسلة منها بغيرها عند غياب الاعتبار والإلغاء في الدليل الشرعي ومستخرجاته الحكمية، دون أن يكون لها انفصال عن قواعد الشريعة وكلياتها؛ كونها الضابطة لها عن الزلل والخطل والخروج عن مقتضى الشريعة وخطابها الإلهي، فهي بهذا الاعتبار تجمع طرفين متلازمين كسائر الفروع والتخصصات ذات الارتباط بالشريعة وكلياتها ومقاصدها، الطرف الأول الخطاب المطلق الذي من شأنه أن ينزل في المجتمع الإنساني هاديًا له في الصراط المستقيم الذي وضعه له شارعه ومبلغه، فهذا الخطاب من هذه الجهة بحاجة إلى التنزيل في الواقع البشري لضبط أنظمة الحياة بمختلف صورها وتشعباتها.

وبتأمل يسير في آيات التنزيل يدرك المرء أنه أمام آيات مركزية يلزم المجتمع الإنساني طلب هداياتها ومضامينها ومكنوناتها، قال تعالى جامعًا بين طلب الهداية إلى الصراط المستقيم وبين إجابته من قبل الباري سبحانه: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [1] ، {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [2] ، فأنت ترى أن آية الفاتحة سيقت مساق الدعاء والطلب، إلا أن الإجابة على الدلالة والبيان لا تحتاج إلى كبير تأمل وعظيم جهد في الوصول إليها، فالله جعلها مصرحًا بها في آية البقرة، حيث نبه الإنسان على مسلك الهداية، فهذا القرب بين الطلب والإجابة دليل على شريعة اليسر التي يقوم عليها المنهج الرباني، إلا أن الآية نفسها فيها معنى الحصر والقصر لمن رام تتبع مسالك الهداية والرشاد في الخطاب القرآني وبيانه النبوي، وأيضًا ما دلت عليه آيات الاتباع في سياقاتها الموضوعية، مثل قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [3] ، وقوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [4] ، وقوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} [5] ، وقوله تعالى: {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [6] ، {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [7] .. في آيات آخر، والظاهر في مضامين هذه الآيات وأمثالها قضية الاتباع للشرع والإعراض عنه، ومآلات كل منهما في الدنيا والآخرة، وطرف آخر هو الواقع الإنساني المشهود الذي يحتاج إلى الاسترشاد بالهدى الإلهي والخروج من أزمة العقل الإنساني الذي حاول بعد تخليه عن الوحي المطلق إيجاد مطلق آخر يكون بديلًا عن الوحي المطلق، وبذلك تأله العقل الإنساني، وأخطر ما جنى على البشرية حين أضحى العقل مولدًا للمفاهيم الذاتية دون أن يكون له مرجعية ضابطة فأورد البشرية في مهالكها ومصائبها وبئس الورد المورود، وعليه فإننا بحاجة إلى إعادة العلاقة بين النص والواقع في إطار جدلية حركية تظهر التداخل بين عالمي الغيب والشهادة، فبالجمع بين العالمين في إطار العلاقة الجدلية بينهما يستطيع الإنسان الخروج من أزماته، ولا مخرج منها إلا باتباع الهدى الإلهي وبيانه النبوي.

والسؤال الذي يثار في هذا السياق: ما موضع السياسة الشرعية من هذا التوصيف والتأصيل المجمل؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت