لقد أعطى الراغب لمفهوم التزكية المعنى الأوسع الذي دلت عليها نصوص الخطاب، وبها يمكن إعادة القيمة للجانب التزكوي الذي فقد من خلال اختزاله في جملة آداب وسلوكيات مطلوبة إلا أنها قاصرة عن القيام بمفهوم التزكية بمعناه الشامل، والنظر في بعض النصوص النبوية يوقف بوضوح على القيمة التي قصدها صاحب البيان عليه الصلاة والسلام بتلقيه القرآن وتجسيده في نفسه وفي غيره خلقًا يمشي على الأرض كما دل عليه قول عائشة رضي الله عنه حين سئلت عن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت:"كان خلقه القرآن" [20] ، وتأكيده على الجانب المقاصدي من وراء بعثته ونبوته، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام:"إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" [21] ، وقوله:"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" [22] ، فتأكيده عليه الصلاة والسلام على هذا الجانب بصيغة تشعر حصر المقصد في إتمام الأخلاق دليل على عظم المكانة التي يتبوأها مفهوم التزكية، بما يجعلها حاملة منهج متكامل في الحياة الإنسانية يوقفها على مختلف مجالاتها العقدية، والعبادية، والمعاملاتية.
وهذه القاعدة تعد أولًا انعكاسًا للاهتمام بأمر الأمة بجميع مكوناتها، وثانيًا جزءًا من كينونة الإنسان ذاته باعتباره صاحب نشأته الأولى، ولا عجب بعد ذلك أن نجد السياق القرآني يعطي الأهمية لهذا المفهوم بدلالة ربطه بمقومات منهجية أصيلة في المنهج الإلهي، قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [23] ، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [24] ، وإذا كانت الآية الأولى مرتبطة بسياق الجهاد واتخاذ قرارات الحرب، فإن الآية الأخرى جعلت المفهوم في سياق أصول الإسلام وأركانه حيث الاستجابة لله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، من هنا وبدلالة الاقتران يتبوأ مفهوم الشورى الأهمية العظيمة في سياق المفاهيم المؤسسة للنظام الإسلامي، إلا أنه يلزم إعادة قراءة المفهوم بما يتناسب وواقع المسلمين المعاصر، إذ يحتاج بهذا الاعتبار إلى بيان مجالاته، وتحديد ضوابط أطرافه - أعنى المستشير والمستشار - على خلفية الحق والواجب، فضلًا عن تحويل هذا المفهوم إلى مؤسسات منضبطة، والانفتاح على التاريخ الإسلامي والإنساني؛ من أجل تحصيل القدرة على الإبداع المنضبط في رعاية مفهوم الشورى، وتنشئة فقه الشورى المؤسسي، النابع من روح الإسلام، والقادر على تجسيدها في جسد أنظمة العمران الإنساني، وفق اعتبارات الزمان والمكان، ويستدعي في الوقت ذاته التأسيس للشورى الجماعية، والدخول في ساحة الترتيب المنضبط للأولويات، والمؤسس على ترتيب القيم، وعدم إغفال الواقع، والتمييز بين إلزام الورى في حالات، وعدم إلزامها في حالات أخرى، فالأمور المصيرية بالنسبة إلى الأمة لا تحتمل بأي حال مقولة الشورى المعلمة لا الملزمة [25] ، والمسلمون اليوم بحاجة إلى إعادة النظر في فعل الأمة بجعله في إطار التفاعل الجماعي بعيدًا عن الرؤى الانفرادية والاختزالية في شخص واحد أو مجموعة قليلة تتحكم في مصير الأمة وأفرادها.
سادسًا: قاعدة العدل:
وهذه القاعدة قد جاء التنصيص عليها في الخطاب القرآني في سياقات نصية متعددة وفي مضامين مختلفة، كلها دالة على الأهمية التي تستبطنها قاعدة العدل، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [26] ، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [27] ، وقال أيضًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [28] ، وقال أيضًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [29] .. في آيات أخر، وكما هو ظاهر في الآيات من سياقاتها النصية أن العدل ليس قيمة سياسية فحسب، بل هو كذلك قيمة منهجية في كل صور الحياة