وخلاصة القول:
فإن السياسة الشرعية تنضبط بقواعد كلية ومقاصد عامة يلزم اعتبارها عند النظر في تأصيل مضامينه وتنزيل جزئياته في الواقع المنظور، وعند تحققها في أصولها وجذورها التنظيرية، تتبقى مساحة عريضة من النظر في الفعل السياسي ومواقفه المختلفة والمتباينة تكون في دائرة العفو من حيث سعة الأخذ بمقتضيات الواقع المعاصر وما تمليه الواقعات والنازلات من مستلزمات الرؤى في ضوء القواعد الشرعية المتقدمة، وخاصة في صورها الوسائلية، وأحكامها المرتبطة بالمصالح المعتبرة، والأفكار المبنية على أعراف المجتمعات وتقاليدها عندما يكون العرف دائرًا مع الشرع حيث دار لا ينقض أصوله وقواعده ولا يعود عليها بالإبطال، ومعلوم أن منطقة العفو تكون دائرة الاجتهاد والنظر فيها واسعة بحيث تفتح المجال لمراعاة مقتضيات الواقع الذي يعيشه المجتمع الإسلامي في كل مرحلة من مراحله الزمنية، والحق أن تجاهل مثل هذا التأصيل المنهجي يجعل النظر في متغيرات السياسة الشرعية مشكلًا؛ بسبب عدم تحرير قواعدها وثوابتها المنهجية، وخاصة في ما يتعلق بقضية الحكم وتوقيته من حيث استمرارية الحاكم في حكمه وما يسمى بأخرة بالتداول السلمي للسلطة، وقضية الأنظمة الداخلية المكونة للنظام السياسي، كما هو الحال بالنسبة لمسألة الفصل بين السلطات، وكون الشورى معلمة أو ملزمة، من هنا كان لزامًا على الباحث تحرير هذه القضايا في ضوء القواعد العامة الضابطة لمفهوم السياسة الشرعية، والعلاقة بين ثوابت المفهوم ومتغيراته.
تنطلق هذه المسائل والقضايا من حيث إطارها المرجعي كما أشرنا من قبل من قاعدة المصالح، ذلك أن الفعل السياسي الإسلامي في مرحلة التأسيس لم يكن يستند على نماذج محددة من نظم الحكم، بل ترك ذلك تفويضًا للأمة للوقوف على وسائل ضبط الدولة والحكم فيها باستحداث صور للنظم السياسية بما يتناسب والواقع التاريخي لكل مرحلة، وعليه فإن ما شهدته المرحلة اللاحقة لوفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - من أشكال الأنظمة السياسية لا يعدو كونه اجتهادًا قام به المسلمون الأوائل استنادًا على قاعدة المصالح والقواعد الشرعية الكلية الضابطة، وتبقى صورًا يستأنس بها في المراحل اللاحقة عندما تكون صالحة للتبني، فإذا استحدث المسلمون أنظمة سياسية تتوافق مع المراحل الزمنية في ضوء القواعد الشرعية الكلية وقاعدة المصالح، فإن ذلك يعد أمرًا مستساغًا بل قد يكون مطلوبًا؛ كونه واجب الوقت في تلك المرحلة، ومن القراءات الحسنة في هذا الإطار توصيف الأشكال السياسية للأنظمة وما يرتبط بها من سياسات في إطار الشروط الجعلية التي تتوافق عليها الأمة وليست شروطًا شرعية [40] ، بحكم كونها زمنية نسبية وليست مطلقة بحيث تتجاوز الزمان والمكان، وبهذا تكون الأمة مفوضة في تشكيل النموذج الصالح للمرحلة طالما أنه منضبط بالقواعد الكلية، ومثل هذا التقرير ينطلق على قضية التدوال السلمي للسلطة وقضية الفصل بين السلطات والتعددية السياسية وأمثالها، والحق أن أمثال هذه القضايا عند تقرير القواعد والكليات الضابطة وبيان الأطار المرجعي الذي تتأسس عليه وتندرج تحته، لا حاجة للخوض في تفاصيلها إلا بالقدر الذي يزيل الإشكالات المنهجية والحركية، أما الغوص فيها دون أن تكون هناك مسوغات ومبررات، فإنه سيفضي إلى الإنشغال بالجزئيات عن الكليات، وبالفروع عن القواعد، لكن ببيان القواعد وكلياتها وأطرها المرجعية يصبح الخوض في الجزئيات منضبطًا، وما أحسن ما قرره القرافي في فروقه، إذ يقول:"ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع، واختلفت وتزلزت خواطره فيها، واضطربت وضاقت نفسه لذلك، وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مناها، ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره" [41] ، وعليه فإن الخوض في أمثال هذه المسائل بالمنطق التجزيئي الفروعي يفضي بلا شك إلى تناقض في الرؤى وتعارض وتقابل في المواقف، وإن كانت هناك سعة لتبني هذا الرأي أو ذاك بحكم وحدة