عثيمين حين سئل عن مسألة الإنكار العلني على الولاة، فقال:"إذا رأينا أن الإنكار علنًا يزول به المنكر ويحصل به الخير فلننكر علنًا، وإذا رأينا أن الإنكار علنًا لا يزول به الشر، ولا يحصل به الخير، بل يزداد ضغط الولاة على المنكرين وأهل الخير، فإن الخير أن ننكر سرًا، وبهذا تجتمع الأدلة، فتكون الأدلة الدالة على أن الإنكار يكون علنًا فيما إذا كنا نتوقع فيه المصلحة، وهي حصول الخير وزوال الشر، والنصوص الدالة على أن الإنكار يكون سرًا فيما إذا كان إعلان الإنكار يزداد به الشر ولا يحصل به الخير" [46] .
وأما قضية جعل الحكم مؤقتًا بوقت، أو ما تسمى في السياسة المعاصرة بالتداول السلمي للسلطة، فيمكن تأطيرها بإطار العلاقة بين المطلق والنسبي، أعني به العلاقة ما بين الغيب والشهادة، وبتعبير آخر أكثر وضوحًا ما بين الوحي الإلهي والتجارب الإنسانية المحكومة به، ولا بد من التنبيه على أن النظم السياسية التي وجدت في العهد الأول لا تعدو كونها تنظيمًا اجتهاديًا لرئاسة الدولة الإسلامية أملته الظروف الموضوعية التي مر بها المسلمون الأوائل، نعم قد وقع الإجماع من العلماء على مشروعية هذه الأنظمة وبعضهم ألزم الناس بها، إلا أن الأمر بخلاف ذلك، إذ يرى الباحث أن الإجماع المنعقد لا يخرج المسألة عن قاعدة المصالح التي تتغير اعتباراتها بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال، ولذلك يعد القول بتأبيد عقد الحاكم دون أن يكون للأمة الحكم الفصل فيها خروجًا عن مقتضى النصوص ومقاصدها وقواعدها الكلية، فالأمر الذي ينبغي أن يقرر في هذا السياق أن قضية تأبيد الحكم وتأقيته متروكة للأمة وخياراتها في ضوء قانونها العام الذي ارتضته مرجعًا لها - نعني به الشريعة الإسلامية الحاكمة -، وهذا التقرير لم يكن خافيًا عن المحققين من أهل العلم، إذ يقول العلامة ابن عثيمين:"جعل الولاية مقيدة بسنوات، هذا طيب، حتى يختبر وينظر، وكم من إنسان لا نظن أنه أهل، فيكون أهلًا، وكم من إنسان يكون بالعكس، نظنه أهلًا ويكون غير أهل، نظن أن هذا الرجل ملتزم، ونظنه يقوم بالواجب، فإذا به يعجز، يكون ضعيفًا فلا يستطيع أن يقوم بالواجب. وهذا ليس عقد إيجار، هذه ولاية، لكن يقدر بأربع سنوات أو ثلاث أو خمس، حسب ما تقتضيه المصلحة" [47] ، فالقضية إذن أن مسألة تأقيت الحكم وتداول السلطة مفوضة للأمة تختار فيها ما يحقق المصلحة الراجحة؛ لأن الإمامة والولاية عقد سياسي شرعي، والتأقيت والتداول مسألة سياسية إجرائية مندرجة تحت قاعدة الشروط الجعلية في الولاية، فهذه القضية الجزئية تؤخذ بالاعتبار في ضوء كلياتها، فكون الحكم مؤبدًا أو مؤقتًا ليس مقصودًا لذاته، فهو لا يعدو كونه وسيلة من وسائل تنظيم الدولة الإسلامية، ويغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد.
ويلزم من اختيار الأمة توقيت الحكم، اتخاذ وسائل لإدارة ما يستجد من وقائع ترتبط بهذا الإطار من الحكم، والغالب أن وسيلة الانتخاب هي المتبعة في النظم المعاصرة، وهي بلا شك من وسائل النظم الديمقراطية، وهي محل خلاف كبير من فقهاء العصر، ومرجع الخلاف الاختلاف في تصور الطريق الموصل إلى قيام الدولة الإسلامية وتحكيم شريعة الله [48] ، ولا تخرج القضية بهذا الاعتبار عن كونها من مسائل الاجتهاد التي لا يسوغ فيها الإنكار على المخالف، وكان الأساس الذي استند عليها المانعون من المشاركة أنها تعكس الفلسفة الديمقراطية في الحكم والسياسة، إذ تكون مرجعية الحكم فيها لغير كتاب الله، بل تكون لأغلبية الأصوات، وهذا يتعارض مع نصوص كلية وقواعد شرعية عامة، كقوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [49] ، وقوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [50] ، في آيات أخر، بالإضافة إلى أنها صور مستحدثة لم تكن معهودة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان يسعه اتباعها مع وجود دار الندوة في مكة، كما أن المشاركة قد تكون مسوغة لوصول أغلبية غير مسلمة عبر الانتخابات، بحكم الإقرار بالتعددية السياسة التي تكون تبعًا لتغاير الأديان والآيديولوجيات، والحق أن هذه النصوص