الصفحة 12 من 21

وما ارتبط بها من عوارض المنع لا تنهض دليلًا على حظر المشاركة في الانتخابات من وجوه [51] :

الوجه الأول: لا تلازم بين المشاركة البرلمانية والاعتقاد بأن مرجعية الحكم لغير الله، فقد تكون المشاركة بهدف تحكيم شرع الله وتحويل الفكرة إلى قانون وتشريع ملزم.

الوجه الثاني: المشاركة البرلمانية تعد استثمارًا للأعراف والقوانين المتاحة والممكنة سبيلًا للتمكين، مثلما استثمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعراف العرب من جوار وتحالف لحماية الدعوة.

الوجه الثالث: أن أحتمالية وصول أغلبية غير مسلمة عبر الانتخابات وإن كان أمرًا واردًا، لكنه لا يعني رفض المشاركة لتحقيق أهداف الدعوة، ثم إن الغالب في الأحزاب المعارضة للخطاب الإسلامي لا تستطيع التصريح بالخروج عن الشريعة، بحكم كون دستور البلاد محكوم بشريعة الإسلام في غالبه، كحال اليمن والسودان وغيرها.

وهنا لا بد من التمييز بين الفلسفة التي تستند عليها الديمقراطية، وبين آلياتها، فالأخيرة لا تعدو كونها وسائل لتحقيق الأهداف، وعند تبني هذه الوسيلة للترشيح في ظل النظام السياسي الإسلامي واختيار نواب العامة، فإن هذا لا يخرج عن المنهجية المقاصدية الكلية، فالوسائل كما أشرنا سابقًا لا تدخل في دائرة التوقيف، وشأن الانتخاب تنظيم الإجراءات في اختيار الممثلين للعامة، مع تقريرنا بأن يكون للنظام السياسي الإسلامي وسائله الخاصة في إدارة إجراءاته المتعلقة بقضية الاختيار، ولكن طالما أن المتاح هو وسيلة الانتخاب المعهودة، فلا حرج عند ذلك من اتباعها طالما أنها لا تخرج عن إطار الوسائل، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، وهذا التقرير كان له حضوره عند العلماء المحققين وإن كان بدرجات متفاوتة في الحكم.

فقد سئلت اللجنة الدائمة برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: هل يجوز التصويت في الانتخابات والترشيح لها، ومع العلم أن بلادنا تحكم بغير ما أنزل الله؟ فأجابت:"لا يجوز للمسلم أن يرشح نفسه رجاء أن ينتظم في سلك حكومة تحكم بغير ما أنزل الله، وتعمل بغير شريعة الإسلام، فلا يجوز لمسلم أن ينتخبه أو غيره ممن يعملون في هذه الحكومة، إلا إذا كان من رشح نفسه من المسلمين، ومن ينتخبون يرجون بالدخول في ذلك أن يصلوا بذلك إلى تحويل الحكم إلى العمل بشريعة الإسلام، واتخذوا ذلك وسيلة إلى التغلب على نظام الحكم، على ألا يعمل من رشح نفسه بعد تمام الدخول إلا في مناصب لا تتنافى مع الشريعة الإسلامية" [52] .

بل قد ذهب العلامة ابن عثيمين إلى أبعد مما ذهبت إليه اللجنة الدائمة، وقد كثر النقل عن الشيخ من قبل طلابه في تجويز المشاركة والدخول في المجالس النيابية، فحين سئل رحمه الله عن حكم الانتخابات الموجودة في الكويت، وكان سياق السائل يدور مع تخطئة بل تبديع المجيزين، قال مقررًا:"أنا أرى أن الانتخابات واجبة، يجب أن نعين من نرى أن فيه خيرًا، لأنه إذا تقاعس أهل الخير من يحل محلهم؟ أهل الشر! فإذا قال قائل: اخترنا واحدًا لكن أغلب المجلس على خلاف ذلك. نقول: لا بأس، هذا الواحد إذا جعل الله فيه بركة، وألقى كلمة الحق في هذا المجلس، سيكون لها تأثير ولا بد، لكن ينقصنا الصدق مع الله ..." [53] ، ويروي عنه الشيخ عبد الرزاق الشايجي عندما تكرر عليه السؤال حول ملابسات الدخول إلى هذه المجالس، وحقيقة الدساتير التي تحكم وكيفية اتخاذ القرار، فكان قوله في ذلك:"ادخلوا، أتتركوها للعلمانيين والفسقة؟"، وهذه إشارة منه إلى أن المفسدة التي تتأتى بعدم الدخول أعظم كثيرًا من المفسدة التي تتأتى بالدخول إن وجدت [54] .

وتقترب من هذا التقرير رؤية العلامة أحمد محمد شاكر حيث ضمن خطابه الذي وجهه إلى علماء الأزهر في السادس من ربيع الأول سنة 1360 هـ الموافق الثالث من أبريل سنة 1941 م، قوله:"وإذ ذاك سيكون السبيل إلى ما ينبغي من نصر الشريعة، السبيل الدستوري السلمي: أن نبث في الأمة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت