الصفحة 9 من 21

الإطار المرجعي، وعلى هذا الأساس نقرر بأن أي فعل سياسي لا يكتسب الشرعية إلا باعتبارين [42] :

الأول: شرعية التأسيس، بمعنى موافقة الأصول العقدية للسياسة الشرعية، فالسياسة كمفهوم عام لا تنفصل بحال من الأحوال عن المعنى الذي تعترف لنفسها به، ولا عن القيم التي تسعي إلى إقامتها والمقاصد التي تحاول تحقيقها، والأسس المعرفية التي تمثلها ومنها تنطلق. فالسياسة هي خلاصة لأصول عقدية أفصحت عن ذاتها من خلال علاقتها بها، ومن المتعذر فصل السياسة عن أي من عناصرها الحضارية التي تنطلق منها، ولا وجه بعد هذا التقرير للتأكيد على قضية العلاقة بين الدين والسياسة؛ لأن السياسة بهذا الاعتبار الذي تقرر جزء من الدين، وهي تمثل منهج العدل كما أشار إلى ذلك ابن القيم في طرقه الحكمية.

ثانيًا: شرعية المقصد أو المصلحة، بمعنى أن سعي السياسة لتحقيق مصالحها يرتبط بعدم مخالفة منطوق جزئي ثبت بدليل عام شامل، فإن حركة السياسة في تعبيرها عن المصالح يجب أن تكون في إطار تحقيق تلك المصالح في كلياتها وضوابطها، ولكن ليس على حساب أي من عناصرها أو القيم العليا. ففاعلية السياسة تقاس بمدى قدرتها على تحقيق مقاصدها دون أن تصاب بالانكسار أو بإفساد بعض عناصرها الأساسية.

وقد كان للعلماء المحققين دورهم في تأصيل هذه المسائل في ضوء هذين الاعتبارين، وصنيع الباحث لا يعدو أن يكون نقلًا لتأصيلاتهم وآرائهم المتعلقة بهذا الشأن في إطار المنهجية التحليلية، ولا شك أننا نصدر عن العلماء ومناهجهم الأصولية طالما أنها منضبطة بقواعد الشريعة وكلياتها ومقاصدها.

أولًا: العلاقة بين الحاكم والمحكوم:

من القواعد الهادية التي استخلصها العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس من الفقه السياسي الإسلامي - وخاصة خطبة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في شأن حق الأمة في مساءلة الحاكم ومدى وجوب الطاعة ما يأتي [43] :

الأصل (1) : لا حق لأحد في ولاية أمر من أمور الأمة إلا بتولية الأمة، فالأمة هي صاحبة الحق والسلطة في الولاية والعزل، فلا يتولى أحد أمرها إلا برضاها، فلا يورث شيء من الولايات ولا يستحق للاعتبار الشخصي.

الأصل (2) : الذي يتولى أمرًا من أمور الأمة هو أكفؤها فيه، لا خيرها في سلوكه، فإذا كان شخصان اشتركا في الخيرية والكفاءة، وكان أحدهما أرجح في الخيرية، والآخر أرجح في الكفاءة لذلك الأمر، قدم الأرجح في الكفاءة على الأرجح في الخيرية، ولا شك أن الكفاءة تختلف باختلاف الأمور والمواطن، فقد يكون الشخص أكفأ في أمر وفي مواطن لاتصافه بما يناسب ذلك الأمر، ويفيد في ذلك الموطن، وإن لم يكن كذلك في غيره، فيستحق التقديم فيه دون سواه.

الأصل (3) : لا يكون أحد بمجرد ولايته أمرًا من أمور الأمة خيرًا من الأمة، وإنما تنال الخيرية بالسلوك والأعمال.

الأصل (4) : حق الأمة في مراقبة ولي الأمر؛ لأنها مصدر سلطتهم، وصاحبة النظر في ولايتهم وعزلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت